فؤاد مخزومي

لا شك بأن إنجاز الانتخابات الرئاسية ولو متأخراً، وانتخاب العماد ميشال عون رئيساً، وإنجاز التكليف الذي تمثل بتكليف الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة المقبلة انعكسا إيجاباً على البلاد، ورفعا معنويات الناس التي تطمح أن تزول الغمامة التي غطت سماء لبنان طوال سنتين ونصف السنة، وتتطلع إلى قيام الدولة من كبوتها

طبعاً المطلوب الآن تشكيل الحكومة بأسرع ما يمكن، خصوصاً إذا انسحب التوافق الذي قاد إلى الانتخاب الرئاسي والتكليف والأجواء الإيجابية التي أطلقت العهد الجديد، على تشكيلة حكومية تصون الوفاق وتعزز الوحدة الوطنية تشكيلاً وبرنامجاً

إن برنامج الحكومة المنشودة هو القصد. فالبلاد التي عانت الإنقسام منذ العام 2005 بكل انعكاساته على الدولة ومؤسساتها، عدا عن الهشاشة الأمنية التي رافقت هذا الانقسام، تحتاج إلى برنامج حكومي يضع حلولاً للمآزق المعيشية والاجتماعية والاقتصادية والمالية. فالوقت حان لوقف النزف

إن إجراء الانتخابات النيابية المقررة في العام 2017 بقانون الستين، على علاته، قد يُحدث بعض التغيير لأن الناس تتوق إلى التغيير وهذا ما أثبتته تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة. لكن الأزمات التي سبقت انتخابات الرئاسة يجب أن تشكل دافعاً للسياسيين ببذل بعض الجهد، إذا لم نقل التخلي عن المصالح الخاصة، من أجل اعتماد قانون عادل للانتخابات يعتمد النسبية. وها هي إحدى أحدث الاستطلاعات تفيد أن 72 بالمئة من اللبنانيين يؤيدون قانوناً يعتمد النسبية. في أيّ حال، إن مجلساً جديداً يواكب العهد يعدّ ضرورة وطنية وأملاً جديداً للبنانيين وفرصة لإعادة الثقة عند شباب لبنان وشاباته بهويتهم الوطنية ودولتهم وانتمائهم للبنان، وليس للمذهب أو الطائفة. وهذا يتطلب بدوره صوْن الطائف واستكمال تنفيذه، خصوصاً أن أزمة الفراغ كادت أن تؤدي بنا إلى مؤتمر تأسيسي لا يعلم إلاّ الله منتهاه وعواقبه

المهمة الأساسية اليوم هي تشكيل حكومة فاعلة وقادرة على التصدي للمهمات الجسام التي يواجهها البلد والناس، خصوصاً أننا كنا أمام حكومة من 24 فيتو، أي حكومة "مكانك راوح" الأمر الذي هدّد الاقتصاد. ولا تسأل عن الخدمات التي تبدّت في أدنى مستوياتها، وقد يكون مثال معالجة أزمة النفايات الأكثر تعبيراً. وكادت أن تصيب صورة لبنان أمام العالم في مقتل. هذا لا يعني أن رئيس حكومة تصريف الأعمال تمام سلام لم يبذل كل جهدٍ وصبرٍ مشهودَيْن

وفي السياق، نجد من الضروري إقرار الموازنة الغائبة منذ العام 2005 وإلاّ سنفقد ثقة العالم. لذا فإن الموازنة هي على رأس جدول أعمال الحكومة المقبلة. ونثق بإجراءات حاكم مصرف لبنان الأخيرة والتي أنقذت بعض المصارف من نكسة محققة. ولا بدّ للحكومة من التأكيد عملياً أن الجيش خط أحمر تماماً كما هو الأمن خط أحمر، وإلاّ فإننا سنضع المساعدات العسكرية، خصوصاً الأميركية منها في دائرة الخطر

نتمنى النجاح للرئيس الحريري في تشكيل الحكومة في أسرع وقت. كذلك نتمنى على رئيس الجمهورية أن يبعث برسائل إيجابية إلى العالم للمحافظة على اتفاق الطائف - وهذا وعده في خطاب القسم - وأن يعمل على تسهيل أعمال اللبنانيين في الخارج. وهذه تتطلب فتح الآفاق أمامهم خصوصاً مع دول الخليج وفي المقدمة المملكة العربية السعودية لتعود إلى لبنان لأن غيابها سيشكل خطراً، لا سيما على الصعيدين الاستثماري والاقتصادي. فالمخاوف مقيمة لنحو 400 ألف لبناني متواجد في الخليج يضخون إلى لبنان ما يقارب 7 إلى 8 مليار دولار سنوياً. وهذا كاف حالياً لتعويم البلد وعدم وضعه في حالة الإفلاس، بعد أن أصبح النمو الاقتصادي 1% والناتج القومي العام ,754 مليار دولار. ولا ننسى أن لبنان يواجه، شبه وحيداً، أزمة النازحين السوريين بكل انعكاساتها السلبية خصوصاً على اليد العاملة اللبنانية

نحن في حزب الحوار الوطني سوف نكون في مقدمة الداعمين للعهد حيث يفلح، والحكومة حيث تنجح لا سيما في مواجهة الفساد. وإذا كنا على ثقة بأن الانتخابات النيابية سوف تجري في موعدها، فإن الأمل يبقى في أن تتسّع الساحة لقوى المجتمع المدني والأهلي ولو كانت قواهما غير منتظمة. فقد أثبتت تجربة أزمة النفايات أن صوت الشباب والشابات هو بمثابة جرس إنذار لتقويم الاعوجاج وتحسين الأداء ووضع مصالح الناس فوق كل اعتبار، فيما أكدت نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية أن اللبنانيين من مختلف الأطياف يطمحون، ولو بهدوء، إلى التغيير. فليكن هذا العهد فرصة لإعادة الثقة عند الشباب بالدولة والهوية والانتماء