ليس سيئاً، إن صَدَقَتْ، أن تأتي حصيلة الأيام الثلاثة من طاولة الحوار التي التأمت مؤخراً في عين التينة، بالإعلان عن الاتجاه نحو إنشاء مجلس الشيوخ وتطبيق اللامركزية الإدارية. وهما أمران في صلب الدستور الذي لم يطبق كاملاً حتى الساعة. فاللامركزية الإدارية في صلب الإصلاحات التي نصّ عليها دستور الطائف وتجاهلتها بل "طنّشت عنها" الحكومات المتعاقبة منذ 1989. ومجلس الشيوخ الذي رَهَنَ، الدستور، قيامه بأول مجلس نيابي منتخب على أساس وطني تكمن أهميته، عدا عن إرضاء الطوائف وربط القرارات الوطنية المصيرية برضاهم، في إبعاد مجلس النواب عن المحاصصات الطائفية والمذهبية، التي تَسِمُ مجلس النواب الحالي والممدّد لنفسه والذي جاء نتيجة تسوية الدوحة في العام 2008. فإنشاء مجلس الشيوخ يستدعي بدوره تطبيق الطائف لجهة إقرار قانون للانتخاب يعتمد النسبية.

المؤسف أن الحديث عن إيجابيات الحوار وطاولته يمكن حصره بمجرد الاجتماع واللقاء والصورة الجامعة للقوى السياسية المسيطرة على المشهد منذ ما بعد الطائف والمتصارعة علناً منذ العام 2005. أما الحديث عن تطبيق الطائف أو استكمال تطبيقه لا سيما لجهة البنود الإصلاحية، وإن كنا نأمل صحته، يبدو مجرد "ملهاة" في الوقت الضائع في انتظار أن تحط معارك المنطقة وسوريا تحديداً رحالها ويبدأ زمن التسويات والصفقات بين الدول الكبرى عالمياً وعلى المستوى الإقليمي! فلا شيء يوحي في البلد، حتى الآن، أن الأطراف السياسية الحاكمة مجتمعة ولو "متصارعة" على استعداد للتغيير أو الإصلاح أو استكمال تطبيق الطائف. والكل يعلم أنهم ما عادوا إلى طاولة الحوار في أيلول الماضي إلاّ بعدما استشعروا مخاطر غضب الشارع على كراسيهم إبان أزمة النفايات المستمرة ولو "تحت رماد" التسويات المؤقتة. فكيف يمكن الركون إلى حوار لا تذهب توافقاته إلى المؤسسات الدستورية ليتم تشريعها؟ وهل يمكن الاعتماد على الطبقة السياسية نفسها التي استفادت من قانون الدوحة لإقرار قانون جديد للإنتخابات؟

هذا السؤال تستوجب الإجابة عليه الإحالة إلى الضغوطات التي يواجهها لبنان، لا سيما لجهة الأوضاع المحيطة به والمواجهة التي يخوضها الجيش والقوى الأمنية ضد الإرهاب، فهما تحتمان على القوى السياسية أن تهاب الموقف وتسعى إلى تحسين أدائها. هذا فضلاً عن الإنتخابات البلدية والإختيارية التي أثبتت للجميع أن الشعب اللبناني غير راضٍ عن القوى السياسية الحاكمة. وهنالك أيضاً دراسة أظهرت أن 71% من اللبنانيين يتوقعون تدهور وضعهم المالي. فالمطالب الجامعة للبنانيين اليوم هي: الأمن والاستقرار المعيشي والتعليم والطبابة والبيئة النظيفة فضلاً عن الأمن الغذائي وتأمين فرص عمل للشباب.

كل ما تقدم يعدّ مؤشرات تدعو إلى التغيير. وتحديداً المسارعة إلى

  • انتخاب رئيس للجمهورية.
  • إقرار قانون الإنتخابات النيابية كما ينص الدستور وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها المحدد في ربيع 2017، تمهيداً لتشكيل حكومة جديدة.
  • إقرار مراسيم النفط وتفعيل دور هيئة إدارة قطاع النفط التي أثبتت نجاحها بعد أن أنجزت أكثر من 90% من الأمور التقنية المرتبطة بعملية التنقيب. فهذه الثروة الوطنية يجب أن تشكل رافعة للاقتصاد.

من جهة أخرى، نجد أن على قوى المجتمع المدني والأهلي مواصلة الضغط من أجل التغيير. لقد جرّ الحراك الشبابي والشعبي إبان أزمة النفايات القوى الحاكمة إلى طاولة الحوار. فليواصل اللبنانيون التحرك والضغط رفضاً للفساد ودعماً لقيام المؤسسات الدستورية بواجباتها، ومنعاً لأي عودة إلى الوراء سواء في القوانين أم في الممارسات اللادستورية.

أخيراً، هل يظن أحد من اللبنانيين شعباً ومسؤولين أن العالم سوف يهدينا السلام والمؤسسات والإستقرار إن لم نفعل ذلك بأيدينا؟ الصحيح أن أحداً في العالم لن يرحمنا إذا لم يكن لدينا رئيس للجمهورية. وما المشاريع الإنمائية والهبات الممنوحة للبنان والعقود الموقوفة بسبب غياب الرئيس وفشل الحكومة وشلل مجلس النواب، إلاَ نموذجٌ لما سوف تؤول إليه صورة لبنان في الخارج. لذا من الواجب أن نجدد التحذير من هذه السياسة التي تنتهجها الطبقة السياسية فلبنان يجب أن تكون مؤسساته جاهزة وفاعلة كي لا نقع في محظور المتلقي لصفقات المطابخ الدولية والإقليمية فحسب!