إن لبنان بلدنا العزيز يمرّ بمرحلة صعبة من تاريخه بسبب الهزات المحيطة به من كل جانب لا سيما في سوريا، وخصوصاً مع المحاولات الحثيثة من الإرهاب لإحداث اختراق لأراضيه وزعزعة أمنه على نحو ما حصل سابقاً في عرسال والأمس في القاع. غير أن الأوضاع الأمنية تعد أفضل بكثير مما تشهده المنطقة. لكن البلد يحتاج إلى تحصين مؤسساته بدءاً من رأس الهرم أي رئاسة الجمهورية واستكمال استحقاقاته الدستورية كافة بلا تردد. فلبنان يواجه تحديات خطيرة إذا عقدت الاتفاقات الدولية - الإقليمية وهو غائب عنها، عدا عن التحديات الداخلية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، وعلى الجميع مهمة التصدي لهذه التحديات. ونحن في حزب الحوار الوطني ومنتدى الحوار الوطني ومؤسسة مخزومي وجمعية بيروتيات وفي مختلف مؤسساتنا كنا ولم نزل نمدّ اليد للمساعدة والدعم والمساندة والمشورة ووضع خبراتنا في المجالات كافة فضلاً عن علاقاتي الخارجية وعند صناع القرار في عواصم العالم في خدمة لبنان واللبنانيين

لطالما أخذت على عاتقي تكريس علاقاتي بالفاعليات الغربية والعربية أشخاصاً ومؤسسات في خدمة بلدي. ومن أجل أفضل استثمار لهذه العلاقات، بادرت إلى إنشاء لوبي يشكل أكبر تظاهرة من رجال الأعمال والإقتصاديين المستعدين لوضع طاقاتهم وقدراتهم ونجاحاتهم في خدمة لبنان وصورته في الخارج. ولسوف تستمر الجولات التي رافقت بها الوفد الإقتصادي وأعضاء غرفة التجارة والصناعة للتواصل مع المزيد من شركائنا الإقتصاديين عرباً وغربيين. إن إعادة مدّ الجسور ورأب الصدوع خصوصاً مع دول الخليج التي تحتضن شبابنا اللبناني وتفسح المجال أمام اللبنانيين في العمل والعيش الكريم هي في مقدمة الأولويات التي نتصدى لها حالياً. إن الهاجس الأساسي اليوم هو إعادة العلاقة التاريخية مع السعودية إلى سابقها، والعمل ضمن خطة لتشجيع السياحة الخليجية مجدداً

إن المسؤولية الاجتماعية في صلب أسلوب عملنا. من هنا، كان تأسيس "مؤسسة مخزومي" عام 1997 وتترأسها اليوم وتديرها زوجتي العزيزة مي. لقد تمكنت المؤسسة من تقديم أكثر من 2.5 مليون خدمة لـ660 ألف شخص من خلال برامجها المتنوعة والمتماهية مع أهداف الأمم المتحدة الـ17 للتنمية المستدامة، بدءاً من برامج التدريب المهني، والرعاية الصحية، والقروض الصغيرة، والمشـاريع الإنمائية، وصولاً إلى وحدة الإغاثة والخدمات الإنسانية وذلك منذ إنشائها ولغاية اليوم. ولقد تم إطلاق مبادرة إنسانية جديدة تمثلت في جمعية "بيروتيات" تهدف إلى استقطاب اللبنانيين لخدمة عاصمتهم وإنشاء رابط في ما بينهم على اختلاف انتماءاتهم ضمن فسحة حياة يحلو العيش فيها. ومن أهم فعالياتها مهرجانات "رمضانيات بيروتية" التي اختتمناها مع نهاية شهر رمضان المبارك، وكذلك "ميلاديات بيروتية" التي ننظمها كلّ سنة، والتي باتت اليوم من الفعاليات السنوية

إن تأسيس منتدى الحوار الوطني هدف للدعوة الى الحوار بين المواطنين والمجتمعات المحلية. ومن أهم نشاطاته كان تنظيم "ملتقى النفط والغاز" من أجل الدفع باتجاه الحفاظ على هذه الثروة الوطنية وحسن استثمارها. من هنا جاء تشكيل اللوبي الشبابي لتكون على رأس مهماته مراقبة مسار هذا الملف من أجل الضغط لتحسين شروط استثمار النفط. وتحصيل حق الشباب بالرعاية وتأمين فرص عمل فضلاً عن تكافؤ الفرص بعيداً عن المحاصصات الطائفية والمذهبية. والأهم التخفيف من حدة البطالة المستغَلة من قِبَل الإرهاب والإرهابيين أو الهجرة الخطرة على مستقبل الكيان مع ارتفاع مؤشراتها خلال السنوات الثلاث الماضية على نحو غير مسبوق

إن فكرة "حوار الأبجدية" واحدة من المبادرات الثقافية الحضارية التي أخذ منتدى الحوار الوطني على عاتقه تحويلها إلى حقيقة. فـ"حوار الأبجدية" حدث عالمي يجري بالتعاون مع الأونيسكو ومعهد العالم العربي ومؤسسة كارلوس سليم ومدينة جبيل. وتقوم على تجميل الأجزاء المرئية من الهندسة الخارجية بالاستناد إلى تصاميم الأبجدية القديمة والحديثة. وكذلك إنشاء متحف في الطبيعة يؤدي إلى باب ضخم يحمل شعار "حوار الأبجدية" في إشارة إلى حوار الحضارات والثقافات

والفكرة انطلقت من كون الأبجدية الفينيقية التي هي النموذج الأول للأبجدية في العالم، أهم مساهمة قدّمها لبنان للعالم أجمع. وقد اعتُمدت من جميع الأمم في جميع مجالات العلوم الإنسانية بما فيها الدينية الثقافية والعلمية. وكما قال أحد المفكرين اللبنانيين: "ما كانت الاختراعات الرقمية لتتحقق اليوم لولا الأبجدية". وفي هذه المرحلة من تاريخ الإنسانية، أصبحنا بحاجة أكثر إلى المبادرات التي تدعم الحوار والتفاعل بين الشعوب والأمم. إن "برنامج الحوار بين الشعوب والأمم" أحد هذه المبادرات وحوار الأبجدية أول إنجازاته. والفكرة تكمن في ابتكار مفهوم يتمحور حول الأمم والشعوب تنطلق من الأبجدية وآثارها المذكورة أعلاه. وفي جمع القدرات من جميع الجنسيات والخلفيات الحضارية وتحفيزهم ليتفاعلوا في ما بينهم وتجتمع الثقافات والحضارات في مكان واحد. وسوف يتفرع هذا البرنامج إلى: التربية والفنون والثقافة والعلوم والأدب والمواضيع الدينية والتجارة والأعمال وصناعة الثروات وحل الصراعات وإرساء السلام العالمي

تضمّ مجموعة شركاتنا آلاف الموظفين الأوفياء وهي تشمل، إلى جانب شركة المستقبل لصناعة الأنابيب، مجموعة ENOIA المتخصصة في مجال الخدمات الهندسية والناشطة في أربع قارات. وللشركة وجود في 17 دولة وتُجري اتفاقيات وأعمال في عشرات الدول الأخرى حول العالم. تشكل برامج المسؤولية المجتمعية للشركات، مع تطبيقاتها المتعددة الأوجه، منصات للمسؤولية المستدامة ولديها تأثير إيجابي جداً على المجتمع بشكل عام. ومن أجل ترسية مفاهيم حديثة في عالم الأعمال، أنشأنا كرسي رامي مخزومي لحوكمة الشركات في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، لدعم تطوير الممارسات الجيدة لحوكمة الشركات في المنطقة. ولطمأنة المستثمر وخير الاقتصاد بكل انعكاساته على حياة المواطنين

كلمة المهندس فؤاد مخزومي في مناقشة كتاب Of happiness and Ideas في الجامعة الأميركية في بيروت في 13-7-2016 (*)