ثمة نظرة عامة شديدة التشاؤم لمنطقة الشرق الأوسط. وذلك إزاء ما يحدث في عدد من الدول العربية من انقسامات دينية ومذهبية وطائفية وإثنية وصلت إلى حدود الحروب الأهلية، خصوصاً في سوريا والعراق وليبيا واليمن. هذه الصراعات تهدد بتدمير دول عريقة وانهيارات لدول تاريخية إلى جانب ما تعانيه دول أخرى من تفجيرات إرهابية تهددها بزعزعة استقرارها الأمني والسياسي، وصعود قوى إقليمية أخرى تحاول الإمساك بمفاصل المنطقة سياسياً واقتصادياً وعسكريا لكن من غير ثبات في موازين القوى الإقليمية، بينما ينهار النظام الإقليمي القديم تاركاً المنطقة للفراغ الذي يحاول الآن أن يحتله الإرهاب في سباق مع تسويات تسعى إليها جهود دولية أميركية روسية.

من هنا فإن القضية الأبرز شاغلة العالَم اليوم هي ظاهرة الإرهاب في العالمين العربي والإسلامي التي توسعت وقويت شوكتها خصوصاً في سوريا والعراق والتي يمكن التأكد من أنها استفادت من انهيار أو الضعف الشديد لهذه الدول في ظل محدودية التدخل العسكري الخارجي الدولي بخلاف ما كان سائداً في القرن العشرين، سواء في ظل القطبية الثنائية أم بعد انتهاء الحرب الباردة وحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. من هنا أيضاً تبرز مخاطر تمدّد هذا الإرهاب على الأمن الإقليمي وعلى لبنان أحد المهَدّدين وكذلك على الأمن الدولي. ولا ننسى أن الأمن في أوروبا عانى من الإرهاب هذه السنة مرات ومرات. وكذلك أميركا ومؤخراً في شرق آسيا في بنغلادش وقد تكون من تداعيات هذا الإرهاب المتفلت صعود اليمين المتطرف في الغرب ومن تجلياته حتماً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

من جانبنا في لبنان يتوجب علينا فضلاً عن محاربة الإرهاب التيقن من عدم الإنزلاق إلى أفخاخه والتي تتهدد الوحدة والوطنية والسلم الأهلي فالحفاظ على هاتين الفضيلتين هو مفتاح إنقاذ لبنان الأساسي. ويكون لزاماً التحذير من أن أي خطأ في التعامل مع هذا الملَف سيرفع من مخاطر العودة إلى الحرب الأهلية المقيتة كما هو الوضع القائم حالياً في العديد من الدول العربية كليبيا وسوريا والعراق واليمن. يجب عدم الاستخفاف بالمخاطر المتأتية من المعارك في سوريا، ومن الإرهاب الذي يحاول التمدد إلى لبنان وهو في العموم يهدد العالم بأسره. وإذا كنا على ثقة بالجيش والقوى الأمنية في حماية لبنان والحفاظ على سيادة أراضيه، فإن الأمن يحتاج أيضاً إلى سدّ الثغرات أمام الإرهاب الذي يتأكد يوماً بعد يوم أنه يحتل الفراغات فيملؤها دماً ودماراً. وأول السدود يكمن في تحصين المؤسسات بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية واستكمال الاستحقاقات الدستورية من حكومة ومجلس نواب يكون انتخابه عبر القانون النسبي مقدمة حقيقية للتغيير. ولا ينبغي الانتظار أبداً، فإذا ما نجحت التسويات والاتفاقيات فإن لبنان يجب أن يكون جاهزاً وحاضراً ولديه البنية المناسبة، لا هيكلاً فارغاً تشله الاصطفافات الطائفية والمذهبية والانقسامات السياسية ويكاد يملؤه التطرف.

إن اللبنانيين يحتاجون اليوم إلى مسألتين أساسيتين قبل أي شيء آَخر: الأمن والإستقرار المعيشي. في الأَمن يشعر الجميع باطمئنان إلى الجهود التي تبذلها المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية. إن الإنجازات الأمنية التي تحققت في طرابلس ومن ثم عبر العمليات الاستباقية المشهودة التي جرت طوال الأشهر الماضية وجعلت كثير من الإرهابيين الخطرين في السجن. والعمليات الجراحية المستمرة في عرسال وجردها ومؤخراً نجاح بلدة القاع في درء مخاطر ثماني إنتحاريين تشكل جميعها مصدر اطمئنان على الأمن في البلد. لكن من جهة أخرى، تستدعي منا دوام اليقظة فما زالت قوى إرهابية تهدد باختراق الداخل اللبناني وإشعال حرب داخلية في لبنان. علماً أن داعش ما زالت تحتجز رهائن من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بعد أن قامت هي وجبهة النصرة بقتل بعض العسكريين.

لذا إن الالتفاف حول الجيش وقوى الأمن ضرورة وطنية لحماية الدولة والمجتمع. وكذلك العمل من أجل توفير التسليح اللازم ضرورة ملحة وواجبة. إن الحوار الجاري برعاية رئيس مجلس النواب سواء على المستوى الوطني العام أم بين "تيار المستقبل" و"حزب الله" يشكلان صمام أمان للشارع. لكن الأهم والمُلحّ هو خفض سقف الخلافات السياسية وعدم توظيف الخطاب المذهبي والطائفي في هذه الخلافات.. والمطلوب طبعاً التوصل إلى توافق لانتخاب رئيس للجمهورية ووضع مؤسسات الدولة على سكة التفعيل عبر حكومة جديدة ومجلس نواب منتخب بقانون للانتخاب يعتمد النسبية.

أما المسألَة الأخرى المهمة للبنانيين فتتعلق بالاستقرار الاقتصادي والمعيشي. إن البلد يحتاج إلى دعم اقتصادي مستعجل يستدعي تعاوناً بين القطاعين العام والخاص لإيجاد المشاريع وكذلك الحلول الملائمة. وفي هذا السياق يجب التأكد من دعم القطاع المصرفي الذي شكل وما زال يشكل رافعة أساسية للاقتصاد اللبناني وضامناً لأمننا الإقتصادي. ويجب أيضاً أن نأخذ بعين الاعتبار التغيّر الذي طرأ مع اكتشاف الغاز والنفط في بحر لبنان وبره إذ يشكلان أملاً جديداً للبنانيين ينبغي عدم التفريط بهما لأنهما، إذا أحسنّا استثمارهما، يمكن أن يعيدا رسم ملامح الاقتصاد اللبناني وتنشيطه وتحديد علاقاته مع العالم الخارجي. ولا أخفيكم أن الملف النفطي يشكل باب أمل للشباب إذا أحسنّا أيضاً تأهيلهم وتدريبهم تحضيراً لبنية تحتية جديدة صناعية وتجارية والبدء بالعمل عليها في هذا القطاع بالتحديد.

إن الاهتمام بالأمن والإقتصاد هما مفتاحا الحل للوضع اللبناني الهش، لكنهما لا يستقيمان ولن يستقيما إلاّ بملء الشغور بدءاً من رأس الهرم وصولاً إلى أصغر مؤسسة من مؤسسات الدولة. ومن البديهي أن نؤكد أن التصعيد وتأجيج الخلافات السياسية وعكسها على الشارع يسحب من لبنان قدرته على حفظ حقوقه أمام العالم بتقرير مصير نفسه بنفسه. هذا أولاً أما ثانياً فالمطلوب بإلحاح التعامل بشفافية مع كل الملفات. وبصراحة المطلوب محاربة الفساد ورفع الغطاء عن كل الفاسدين بعيداً عن الانتماءات والعصبيات التي تؤدي دائماً إلى إفشال هذه المهمة الضرورية لنهضة لبنان.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي في الجلسة العامة الافتتاحية للمؤتمر الإقليمي السادس في 13-7-2016