فؤاد مخزومي


الأمن في أيدٍ أمينة. فلبنان بمؤسساته الأمنية كافة أثبت كفاءته وسطر نجاحات مشهودة في مكافحة الإرهاب. وها هو الجيش يقود معركة الجرود وسوف ينجح بإذن الله... لكن ماذا عن الأمن الاجتماعي؟

اليوم مشكلتنا أدهى وأصعب. فمشكلة اللبنانيين أن أمنهم الاجتماعي في خطر واقتصاد بلادهم في خطر: الدين العام تجاوز الـ 75 مليار دولار، والعجز في الموازنة بلغ 7 مليارات دولار، أما النمو فلا يتجاوز 1 في المئة، وفي حين يبحثون عن تمويل لسلسلة الرتب والرواتب تتجاوز كلفة الهدر الأربع مليارات دولار في السنة وكلفة الفساد الخمس مليارات دولار. فما العمل؟

- إن مواجهة الفساد هي مهمة أولى ينبغي على "حكومة استعادة الثقة" التصدي لها. لقد ذكّر الرئيس العماد ميشال عون، مؤخراً، أن الرئيس فؤاد شهاب هو أول مسؤول لبناني وضع أسس دولة المؤسسات وأقرّ بأن "مؤسسات الدولة ضعفت بمعظمها وتعثر عملها". والأهم في حديثه هو إشارته إلى أن مكامن الفساد تكمن في "الكبير الموجود في أعلى المراكز" فهذا هو المرتشي الحقيقي وهو على حق. لكن ما الذي يحلّ هذه المعضلة؟ خصوصاً أن لبنان يتبوأ المركز 136 من 177 في مؤشّر الفساد الذي تصدره "منظمة الشفافية الدولية"؟

إن الحل الأساسي يتطلب قراراً شجاعاً من مختلف مكوّنات الحكومة برفع الغطاء عن الفاسدين. وأقول مختلف مكوّنات الحكومة - التي تجمع ما لا يُجمع - حتى نتأكد أن الفساد لن يجد ملاذاً له لا في الساحة السياسية ولا في ساحة القضاء. وبالتأكيد لن يَجد طائفة تحميه ولا مذهب يدافع عنه.

- المهمة الأخرى هي كبح التهرب الضريبي الذي يفوق الـ 400 مليون دولار ومعالجة الإشغال غير القانوني للأملاك البحرية والبرية التي تقدر التسويات فيها بين 1 و2 مليار دولار كمعدل وسطي. والحفاظ على موارد لبنان وفي مقدمها النفط والغاز الذي من شأنه أن يحسّن صورتنا أمام العالم ويحوّل اقتصادنا من اقتصاد خدماتي بحت إلى نظام اقتصادي فعليّ قائم بذاته يسمح لنا ببناء مستقبل بلدنا بأنفسنا.

- ومن الضروري أيضاً حل أزمة النازحين التي تكلّف لبنان حوالى مليارين و750 مليون دولار. وهي وإن كانت أزمة إنسانية، فإن قصور الدعم الدولي على 19 في المئة مما تعهّدت به في المؤتمرات الداعمة يحتم على الحكومة إيجاد الحلول المناسبة لوقف النزف الاقتصادي في هذا المجال.

- ومن المهمات العاجلة أيضاً إعادة مدّ الجسور ورأب الصدوع خصوصاً مع دول الخليج التي تحتضن شبابنا اللبناني وتفسح المجال أمام اللبنانيين في العمل والعيش الكريم. إن الهاجس الأساسي اليوم هو ترميم العلاقة التاريخية مع السعودية والعمل ضمن خطة لإعادة الثقة مع دول الخليج كافة لأن في ذلك مصلحة لجميع اللبنانيين. ولا مبالغة إن قلنا أن بإمكان لبنان على الرغم من المحاور القائمة وقتامة المشهد الإقليمي أن يبقى واحة، وربما يكون طاولة حوار دولية - إقليمية يرعاها لبنانيون - طالما كانوا ضيوفاً على عواصم عربية وغربية لحل مشاكلهم.. نعم ليس في الأمر مبالغة فلبنان بلدنا العزيز مرّ، منذ العام 2011، وبعد اندلاع الثورات العربية، بمراحل صعبة من تاريخه بسبب الهزات المحيطة به من كل جانب لا سيما في سوريا، وخصوصاً مع المحاولات الحثيثة من الإرهاب لإحداث اختراق لأراضيه وزعزعة أمنه على نحو ما حصل في عرسال ورأس بعلبك والقاع، عدا التفجيرات التي طاولت حتى العاصمة بيروت، غير أن مقاومة هذه الهزات أبقته أمنياً أفضل بكثير مما تشهده المنطقة. وقد نجح إلى حدٍ ما في تجاوز أزماته الدستورية، ولولا تأجيل الانتخابات النيابية لكانت الأمور تسير، ولو ببطء، نحو الأفضل. وفي السياق، يمكن للبنان أن يلعب أيضاً دوراً مهماً في إعادة إعمار سوريا.

في المحصلة، يبدو واضحاً لكل من يريد قيامة لبنان ضرورة الحفاظ على أمنه الاجتماعي وليس هناك من حصانة إلاّ بالاستقرار الاقتصادي والمعيشي والتعليم والطبابة والبيئة النظيفة، فضلاً عن الأمن الغذائي وتأمين فرص عمل للشباب. وكل ذلك يعوزه القرار السياسي الشجاع في مواجهة الفساد. فلقد نجح الجيش والمؤسسات الأمنية في مواجهتهم للإرهاب بحضور الإجماع السياسي وبقوة القرار السياسي الواحد أو المسهّل، وطبعاً بقوّة الالتفاف الشعبي الكبير حول الجيش ومؤسساتهم الأمنية.

وإذا كان المثل الشعبي يقول "جود من الموجود" فإن الموجود اليوم هو مجلس نواب جدّد لنفسه ثلاث مرات، بكل ما في ذلك من معانٍ سلبية، يصبح على قوى المجتمع المدني والأهلي ممارسة الضغط من أجل التغيير. لقد كسر الحراك الشبابي والشعبي إبان أزمات عدة حاجز الخوف، وأشعَرَ المسؤولين أنهم مراقَبون وسوف يحاسَبون فليواصل اللبنانيون التحرك والضغط رفضاً للفساد ودعماً لقيام المؤسسات الدستورية بواجباتها، وصولاً إلى فرض التغيير عبر الانتخابات وانتخاب نواب يراقِبون ويحاسِبون باسم الناس ومن أجلهم.