فؤاد مخزومي



يسعدني أن أكون بينكم في غرّة رمضان وفي ضيافة جمعية خريجي المقاصد الإسلامية في بيروت، التي تجمع الرواد الذين أفتخر وأعتز أن أكون بينهم وواحداً منهم. لا بدّ لي بداية من شكر جمعية خريجي المقاصد التي تكرّم اليوم على عادتها كل سنة من الشهر المبارك ثلّة من الرجالات والنساء الخريجين والخرّيجات ومن الذين عبروا من بوابة المقاصد إلى العالم وأنا أتحدث اليوم باسمهم.

لن أتطرق إلى السياسة ولا إلى حال البلاد، لكن من الأعمال الرمضانية الدعاء خاصة في هذه الأيام الحرجة والظروف والأزمات القاسية التي يمر بها بلدنا وكذلك أمتنا العربية فعلينا أن نكثر من الدعاء مصداقاً لقوله تعالى }وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} صدق الله العظيم.

إن المقاصد عريقة عراقة الحرف والكلمة في لبنان فهي التي تأسست في العام 1878 خرّجت أجيالاً وأجيالاً، وأثرّت في المجتمع اللبناني عموماً والبيروتي خصوصاً وأغنته بالكوادر والكفاءات القيادية التي احتلت أعلى المراكز وتحملت عبر التاريخ مسؤوليات جسام على مستوى الدولة وكانت على قدر المسؤولية.

لقد خرّجت المقاصد نساء ورجالاً هم رواد في مواقعهم وأعمالهم وبصمة الريادة واضحة أينما حلوا. لكن أين أصبحت اليوم؟ بل أين أصبحت مؤسساتنا الإسلامية؟ أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها غائبة. طبعاً ينقصها الدعم ولا أخفيكم أن لبنان ليس على جدول أعمال الخارج العربي والدولي. لكن يمكن للجهود المشتركة أن تساهم في تفعيل مؤسساتنا، وحتى تفعيل دورنا في مؤسسات الدولة. علماً أن عديد موظفي الدولة من بيروت بعد اتفاق الطائف لا يتجاوز الـ11 في المئة. وقد يكون السؤال، أين الكوادر؟ والمقاصد عبر التاريخ هي مركز بناء للكوادر التي نهضت بالدولة ومؤسساتها وكان لها باع طويل في لبنان التأسيس. ولا أخفيكم أن طموحنا أن يحصل الجيل الجديد ليس فقط على المستوى المقاصدي التاريخي من علوم ومعارف بل أيضاً على أخلاقيات ومفاهيم نعتز بمقاصديتها ويحتاجها الوطن اليوم أيّما احتياج مثل التسامح والصدق والنزاهة والتشارك والحوار.

إن المقاصد خرّجت أيضاً وأيضاً أبطالاً شكّلوا إشارة انطلاقة عهد الاستقلال والتغيير. واسمحوا لي أن أذكر عمي فؤاد أحمد فياض مخزومي الذي استشهد في منطقة البسطة خلال تظاهرة خرجت من المقاصد ضد الانتداب الفرنسي آنذاك في 13 تشرين الثاني 1943، واعتُبر رحمة الله عليه من أوائل شهداء لبنان. فأين الشباب المقاصدي اليوم بل أين الشباب البيروتي، أين دورهم في المجتمعين المدني والأهلي؟ سؤال أعرف أن الإجابة عليه تتطلب مجدداً بذل الجهود المشتركة لإعادة الدور المتقدم لمؤسساتنا والأمل لشبابنا.

ونعتز أيضاً أن جمعية المقاصد هي من أوائل من فكر بتعليم النساء وإعدادهن لتكنّ قوّة في المجتمع، إذ أنشأت كلية البنات في منطقة الباشورة في بيروت في العام 1878. أي في نفس العام الذي تأسست فيه بما يعني أن الاهتمام بالمرأة تزامن مع انطلاقة نشاطات المقاصد في التربية والتعليم بداية ومن ثم توسّعت إلى المجالات الاجتماعية والصحية والرعائية والجامعية. وهذا دليلٌ ومؤشرٌ على أهمية تنشئة وتعليم المرأة وتعزيز دورها في المجتمع في فكر وذهنية الأوائل الكبار الذين أسسوا المقاصد.

إنني من على هذا المنبر المقاصدي أدعو لنتعاون جميعاً لاستنهاض المقاصد ومؤسساتها، خصوصاً التعليمية. فإذا كان الحنين يشدنا إلى عزّ بيروت وتراث بيروت فإن المقاصد جزء لا يتجزأ من هذا التراث العريق عراقة عاصمتنا الغالية على قلوبنا. فلنعمل سوياً من أجل أن نكمل مشوار الرواد من أسلافنا الذين أسّسوا المقاصد بل شاركوا أيضاً في تأسيس لبنان.

إذا كنت أؤمن بأن المطلوب ذهنية جديدة لتنمية البلد فإنني أجد أن التمسك بتنمية المقاصد ومؤسساتها يخدم الوطن مجدداً بقدر ما يخدم نهضة التعليم فيه. وهو أي التعليم حصن موارد لبنان البشرية من الشباب والشابات الذين يجب أن نحسن إعدادهم ليكونوا رواداً ومبدعين في كل موقع ومجال. نشكر لكم إدارة وعاملين استضافتنا في إفطاركم السنوي. ونشكركم مجدداً باسمي وباسم المكرمين الأفاضل على الثقة التي منحتمونا إياها.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي خلال إفطار جمعية متخرجي المقاصد الإسلامية في 2 حزيران 2017