فؤاد مخزومي



- واجب الحاكم "أن يُغني الناس" عن السؤال أو طلب المعونة
- مواطن غني مستغن حاجاته متوافرة وكرامته وافرة
- حين تمد مؤسستنا يد المساعدة إلى المحتاجين، نكون قد خففنا من بشاعة واقعهم
- بأي مستقبل نَعِد أجيالنا؟
- نحن جميعاً أولاد هذا الوطن ورمضان يزكي النفوس فلا يهمل شؤون الحياة ورفاهية العباد
- قضايا كثيرة ينبغي أن تخرج من مخابئها لتتحدى إهمال السياسيين وتحتل مكانها الصحيح بين الأولويات
- نريد العدالة بكل جوانبها: حقوق المواطنين، الاقتصاد السليم، المواضيع الملحة مثل سلسلة الرتب والرواتب وغيرها مما يثير قلق المواطنين
- سلاح زمننا المعاصر هو العلم
- علينا أن نحضّر أجيالنا الجديدة لمواجهة التحديات الحديثة بسلاح العلم والمعرفة
- لبنان نموذج انفتاحٍ وتفاهم، نموذج تعارف وود وتكامل نموذج لأرقى صفات الإنسان نموذج حرزان
- لبنان... حرزان

في هذه المساحة التي كُرّست بحمد الله مكاناً لموائد الرَّحمن في شهر رمضان، شهر الوحي والقرآن، شهر الصوم والتقوى، يُسْعِدُني أن أتأهل بكم مسلمين أو من سائر الأَديان، لنهنأ معاً بنعمة الإيمان.

واسمحوا لي أن أَستشهد لهذه المناسبة المباركة بآية كريمة تقول:

﴿إنّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدًّا﴾ نعم، هذا الشهر الفضيل الذي يجمعنا لنتبارك منه صلاة وصياماً، تصدّقاً وزكاة، يدعونا بكل معانيه إلى أن نزكي نفوسنا بعمل الصالحات، وأن نلتفت إلى كل الناس، خصوصاً إلى الذين نقدر بعطائنا وتعاطفنا أن نخفف من آلامهم أو ننعش آمالهم.

في هذه الأجواء وأنا أتأمل جمال اللحظة التي جمعتنا، تمر ببالي أحلام أكبر مني كشخص واحد، داعبت خيالي فيما كنت أتعرف إلى تاريخنا، وأصالة القيم التي علينا أن ندافع عنها ونتخذها ركناً نبني عليه حياتنا، فيحضر من مطالعاتي في هذا المجال ملهم كبير في السياسة والإدارة والإنسانية، هو الخليفة عمر بن عبد العزيز.

في زمن خلافته القصيرة جمعت أموال الزكاة وعند توزيعها لم يتوافر في أرجاء الدولة كلها إنسان واحد محتاج، تنطبق عليه مواصفات "الفقير" أو "المسكين" وفق مصارف الزكاة الثمانية.

واجب الحاكم "أن يُغني الناس". وكلمة "يُغني" لا تعني جمع الثروات. "يُغنيهم" أي يجعلهم في غنى عن السؤال أو طلب المعونة. هل ثمة أجمل وأهم من حكم يكون هدفه الأسمى أن يلغي من قاموس المجتمع كلمة تسوّل، صدقة، شفقة، حرمان أو عبارة ذلّ السؤال؟ مواطن غني، مستغن، حاجاته متوافرة وكرامته وافرة.

هذا حلم نتمنى ألا يرجأ إلى غد بعيد. حلم للمستقبل وقد تحقق في ماضينا المجيد.
اليوم، حين تمد مؤسستنا يد المساعدة إلى المحتاجين، وهذا دأبُها منذ العام 1996، نكون قد خففنا من بشاعة واقعهم وجمّلنا صورة الحاضر في عيونهم. لكن المستقبل أكثر تطلباَ.

فبأي مستقبل نَعِد أجيالنا، فيما قادة البلد يصنّفون المواطنين قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب، ولا يرَوْن فيهم سوى مجموعات متناحرة، جاهزة للاستنفار بإشارة من الزعماء تحرك شهوات الغضب والتشفي، فيحل الفعل الثأري العنيف محل الفعل الثوري الشريف.

كلا. لسنا كما يريدون. نحن في هذا البلد، على غنى التنوّع بالمعتقدات والأديان، أولاد وطن واحد. ولن نكون غير ذلك.. فمن حولنا غضب مضت عليه سنوات وهو يفترس شعوباً عربية شقيقة.

ونحن شعب لبنان أصابنا من هذا الغضب ما يكفي لنصبح مع الزمن مطعّمين.

اكتسبنا مناعة ضد القتل والظلم بذريعة الدين. العالم بأسره اليوم ينطق بلغة لبنان في العام 1975 ونحن... هنا، ما أحلانا جالسين معاً، محتفلين، وقبل الأوان غمرتنا أجواء رمضان.

الناس خارج لبنان متفرقون ومقسمون، ونحن مجتمعون، نتذوق معاً لقمة غمّست بالصدق والإيمان. حلم جميل أن تدوم لنا هذه الأحوال... فنطرد المناظر المؤلمة: من مصالح شخصية تعرقل سير المصلحة العامة. نطرد العناوين المشتعلة والمفتعلة لتخفي وراءها سرا غير بريء موضوعه الوحيد: توزيع المغانم. حلم جميل أن يدوم لنا الصلح والصفاء. إخوتنا في الوطن تفضلوا، شاركونا وتعرفوا إلى النعم التي يحملها لنا شهر الوحي والبركة والصوم. تعالوا بعمق نتعارف، فالمعرفة تقوينا، ولا تعمي بصائرنا عتمة جهل تغرق القلوب في الظلام. نحن جميعاً أولاد هذا الوطن. ورمضان يزكي النفوس فلا يهمل شؤون الحياة ورفاهية العباد. قضايا كثيرة ينبغي أن تخرج من مخابئها، لتتحدى إهمال السياسيين، وتحتل مكانها الصحيح بين الأولويات. العدالة بكل جوانبها، حقوق المواطنين، الاقتصاد السليم، المواضيع الملحة مثل سلسلة الرتب والرواتب وغيرها مما يثير قلق المواطنين، جميعها تنتمي إلى هدف نبيل وكبير يدعى: خدمة الإنسان. ولا ننسى أخطر سلاحٍ في عصرنا هذا: سلاح العلم المعاصر والمعرفة والتكنولوجيا. في الماضي كانت الأطماع مختلفة وبلادنا تتعرض لمخاطر كبيرة سببها خيرات طبيعية من ذهب ومعادن، أو مواد أولية من نفط وغاز، وأحياناً ممرات ومواقع استراتيجية. اليوم تغيّرت الأهداف والأساليب والأسلحة. الصراع المعاصر لم يعد في حاجة إلى مواد أولية تشعل نيرانه. فهناك مصادر بديلة ومتجددة قد حلت محلها. والعلم غزا الفضا، فتم الاستغناء عن المواقع والجغرافيا المحدودة. سلاح زمننا المعاصر... هو العلم. الضربة اليوم... توجه إلى العقل والوعي والإدراك. ونحن، أصحاب الحق، صار علينا أن نحضّر أجيالنا الجديدة لمواجهة التحديات الحديثة بسلاح العلم والمعرفة. في غُرّة الشهر الكريم ندعم هذا المنطق الموضوعي بحديث نبوي شريف يقول: "مَن سلَكَ طريقًا يلتمسُ فيه عِلمًا سهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلى الجَنَّة". فلنكتسب أرقى درجات المعرفة العلميّة لخَوْض معركة وجودنا ونوعية حياتنا. وانسجاماً مع الآية الكريمة ﴿إنّا خلقناكم من ذَكَرٍ وأُنثى شَعوباً وقبائل لتَعارَفوا﴾... علينا بالمعرفة الأقرب والأَوْلَى وهي أن يعرف بعضنا بعضاً ويبقى لبنان كما وصفه البابا يوحنّا بولس التاني: أكتر من وطن. رسالة تتكامل فيها الثقافات والأديان.

نموذج انفتاحٍ وتفاهم. نموذج تعارف وود وتكامل، يصلح مثالاً أعلى لسائر الأوطان. نموذج لأرقى صفات الإنسان. نموذج حرزان، اسمه لبنان... لأن لبنان... حرزان.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي خلال افتتاح القرية الرمضانية في 18 أيار 2017