فؤاد مخزومي


أكد رئيس حزب الحوار الوطني المهندس فؤاد مخزومي أن السياسيين في لبنان يدركون أن التغيير آت لا محالة لذلك لا يريدون إجراء الانتخابات النيابية، تماماً كما فعلوا عندما مددوا لأنفسهم إذ شعروا أن المواطن بعد اتفاق الطائف لم يعد يرضيه الوضع السياسي القائم، مشدداً على أهمية دور الشباب في مواجهة الطبقة الحاكمة، ومراهناً على قدرتهم على التغيير من أجل مستقبلهم.

ودعا في مقابلة ضمن برنامج "بالأرقام" مع الإعلامية محاسن الحلبي على إذاعة "الشرق" الشعب إلى مراقبة المتورطين في ملفات الفساد والهدر والكهرباء والبطالة وغيرها ومحاسبتهم في صناديق الاقتراع، معتبراً أن يأس المواطنين من الأوضاع المعيشية والسياسية دفعهم إلى الاستقالة من دورهم. وأشار إلى أن نسبة المشاركة في الحياة العامة، انتخابات بلدية/نيابية في مختلف المناطق اللبنانية لا تتجاوز الـ 30 في المئة، معتبراً أن 10 في المئة فقط من الشباب قادرين على تغيير المعادلة. ولفت إلى أن حراك المجتمع المدني هو نتيجة الرغبة في التغيير وبناء مستقبل أفضل للشباب اللبناني خصوصاً ذوي الدخل المحدود.

وأكد مخزومي أن الثروات في لبنان ليست ثروات طبيعية فحسب بل ثروات بشرية، مشيراً إلى ضرورة توفير المداخيل لشبابنا كي لا يهاجروا، خصوصاً في ظل عملية إحلال مواطنين خليجيين محل العمالة الأجنبية في دول الخليج العربي والتي تُعتَبَر سوق العمل الطبيعية للشباب اللبناني. وأضاف أن إمكانية حصول تسويات وإيجاد حلول في المنطقة سمحت للبنان بالتنقيب عن النفط والغاز، معتبراً أن هذه الثروة الطبيعية كفيلة بتأمين دخل مستمر لأبنائنا إذا ما استُخرجَت واستُثمِرَت بشكل سريع وسليم، ومشيراً إلى أن هذا الدخل سيحرك الدورة الاقتصادية ويسمح ببناء مستقبل مشرق لشبابنا ويعيد لهم الشعور بأنهم مواطنون فاعلون وإلا فإن الهجرة ستكون بمثابة الحل الوحيد بالنسبة إليهم. ولفت إلى تواجد مليون وثلاثمائة ألف لبناني في سوق العمل مقابل مليون ومئتي ألف من غير اللبنانيين، مشيراً إلى أن الرقم الرسمي المعلَن عن نسبة البطالة هو 10 في المئة في حين أن النسبة الحقيقية هي 25 في المئة وتصل إلى 40 في المئة بين الشباب. وأضاف أن 30 ألف شخص يدخلون سوق العمل كل عام، بينما يوفر سوق العمل من 5 إلى 6 آلاف وظيفة فحسب، لافتاً إلى أن الاستثمار الفعّال يحتاج إلى يد عاملة مؤهلة تقنياً وأن التعاون هو السبيل الوحيد لخلق فرص عمل للشباب والحد من البطالة وإلا فإن بلدنا سيشيخ وشبابنا سيطرقون باب الهجرة. ورداً على سؤال حول اهتمامه بفئة الشباب، أشار إلى أن مشروع مؤسسة مخزومي الاجتماعي والاهتمام بتنمية القدرات البشرية وتطوير الوسائل التي تساعد على بناء مستقبل جيد للشباب، فُسٍّرَ في البداية على أنه مشروع سياسي، لكن التواجد في مناطق لبنانية مختلفة كبيروت والشمال والجنوب والبقاع، أكد أن هدف المشروع تنموي خدماتي وبعيد كل البعد عن الطائفية والمذهبية والمناطقية لأنه يتوجه لجميع المواطنين دون تمييز.

ولفت مخزومي إلى أن بعض السياسيين اعتبروا اهتمامه بملف النفط والغاز استهدافاً مباشراً لهم، لكنه أكد أنه يستثمر في مجال التنمية الاجتماعية في لبنان ولا يستثمر في الصناعة، مشيراً إلى حقه في السعي للحفاظ على الثروة النفطية إنطلاقاً من كونه مواطناً لبنانياً وخدمة لجميع أبناء الوطن. ونفى أن يكون اهتمامه بملف النفط والغاز وعقد مؤتمرات وندوات يهدف إلى الاستثمار في هذا القطاع، لافتاً إلى أن مصانعه تمتد من أندونيسيا إلى أميركا وتُعنى بالنفط والغاز ومحطات التحلية والتكرير وتتعامل مع شركات النفط العالمية بشكل علني، ومشيراً إلى أنه قرر ألا يتعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية كي لا يُزج اسمه في الصفقات التي تجري في ملف التنقيب عن النفط لأن هذا الأمر يتعارض مع مبدأ الشفافية والمحاسبة الذي يطالب به. ولفت إلى أن ممثلي الشركات النفطية التي تزور لبنان تضعه بشكل دائم في صورة التفاصيل والتطورات المتعلقة بهذا الملف. وأسدى مسدياً نصيحة للسياسيين بأن يبتعدوا عن الصفقات النفطية لأن ما كان يصح في الخمسينيات والستينيات لا يصح اليوم، خصوصاً أن أرباحهم المفترضة من هذه الصفقات يجب ألا تفوق تلك التي ستجنيها الدولة. وأشار إلى أن لبنان سيحصل على عوائد نسبتها 4 في المئة من الغاز و15 في المئة من النفط، بينما تحصل الشركات في دول أخرى على عوائد نسبتها 12 في المئة من الغاز. وفيما تدفع شركات النفط في لبنان ضريبة قيمتها 20 في المئة، تدفع الشركات في دول أخرى ضريبة قيمتها 26 في المئة، وفيما نبدي استعدادنا لأن تصل كلفة الإنتاج إلى 65 في المئة من قيمة المنتج، تُحَدَّد هذه الكلفة في دول أخرى بـ 50 في المئة، وهذا ما اعتبره توظيفاً سياسياً يهدف إلى زيادة أرباح السياسيين والمنفذين لهذا المشروع. وأسف أن تكون حصة الدولة اللبنانية من الدخل النفطي أقل من حصة عرّابي هذا المشروع، لافتاً إلى ضرورة وجود شركة وطنية منفصلة سياسياً عن الدولة تضبط الكلفة وتنشئ صندوقاً سيادياً ينظم المداخيل العائدة من ملف النفط وذلك بالتنسيق مع وزارة المالية. وأشار إلى أن أداء الدولة في إدارة هذا الملف ليس جيداً لأنه يرتكز على المحاصصة الطائفية والمذهبية، كما أن قرار المسؤولين عن المقدرات النفطية ليس مستقلاً بسبب تبعيتهم لوزير النفط وحساباته الخاصة، دون أن ننسى أن مجلس الوزراء ومجلس النواب ممثلان في الهيئة العامة للنفط أيضاً، الأمر الذي يتعارض مع الشفافية. وأضاف أن وجود المادة 35 في عقد التنقيب التي تمنع الشركات من أن تتحدث عن شروط الترسية وتقسيم الأرباح والمداخيل لمدة 40 سنة يمنع المواطن من معرفة ما يجري. ولفت إلى أن المجتمع المدني هو الأقدر على الحفاظ على مقدرات الثروة النفطية لأنه سيعتمد مبدأ المحاسبة والمراقبة.

وأكد أن لبنان حرزان والشباب اللبناني حرزان وعلينا العمل لأجله، مشيراً إلى أن الشباب والمجتمع المدني تجاوزوا حاجز الخوف من النزول إلى الشارع وإرضاء زعماء الطوائف وطالبوا عبر تحركاتهم بإيجاد حلول للملفات العالقة كالهرباء والنفايات والفساد وغيرها، مستشهداً بما حصل في أميركا وفرنسا والعالم العربي من تغيّرات كان محركها الشباب والمجتمع المدني. ولفت إلى أن عام 1992 كان مرحلة حساسة جداً أحدثت تغييرات جذرية خصوصاً لجهة عودة الدولة بعد غياب دام 25 سنة، ونحن الآن أمام مرحلة مماثلة ولدينا فرصة للتغيير لأن الدولة قد هرمت وهنا نراهن على دور الشباب الذي سينهي دور هذه الطبقة الحاكمة ويجب أن نشجعهم ونؤمن بدورهم.

وأكد مخزومي أننا لا نملك قضية وطنية وأن ردات الفعل غالباً ما تكون على قضايا الساعة كالكهرباء والنفايات والخليوي والضمان الاجتماعي التي اعتبرها أموراً تقنية كان يُمكن حلها بقرار يقضي بتنسيق مشترك بين القطاعين العام والخاص لإبعاد المحتكرين، معتبراً أننا لا ندفع لحل الأمور بالاتجاه الصحيح لأننا نسمح للطبقة الحاكمة التي تحمي المستفيدين من هذه الملفات باستغلال مقدرات البلد. ولفت إلى أن على من يخشى السياسة ألا يتعاطى في الشأن العام لأن الفصل بينهما غير ممكن وقد يتعرض لكيل من الاتهامات في قضايا مختلفة. ودعا إلى النظر في القضايا الجامعة والعمل بشفافية لإيجاد خطة تنمية اقتصادية غائبة منذ اتفاق الطائف تهدف إلى الحفاظ على سعر صرف الليرة اللبنانية وتوفير الأرباح للمصارف، علماً أن 38 في المئة من المستثمرين في البنوك هم من السياسيين، من هنا يأتي الضغط على البنك المركزي لإقرار "Swap" سواب وزيادة أرباح المصارف وشركائها بهدف الاستثمار في العقارات. وأشار إلى الفترة الذهبية التي مرّ بها لبنان في عهد الرئيس رفيق الحريري والرؤية التي كانت تهدف إلى تطوير البنى التحتية لاستقطاب المستثمرين، إذ بلغ النمو الاقتصادي حينها من 8 إلى 10 في المئة ولكن عندما بدأت التحوّلات تظهر في المنطقة تم عرقلة برنامج الرئيس الحريري.

ولفت إلى أن الدين العام يفوق 70 مليون دولار، مشيراً إلى أن نسبة الهدر من الناتج القومي الذي يبلغ 54 مليار دولار هي 10 في المئة وفق تقرير البنك الدولي. وأشار إلى أن الحكومات المتعاقبة عملت على زيادة ضرائب على المواطنين بلغت قيمتها 1.6 مليار دولار لتمويل سلسلة الرتب والرواتب في حكومة الرئيس سعد الحريري، في حين أنها يمكن أن تموَّل من أموال الهدر والفساد وسوء الإدارة التي تبلغ قيمتها 5 مليار دولار، لكن الطبقة السياسية لا تهتم بأمور المواطنين وتضع مصالحها في المقدمة. ولفت إلى أن 0.3 في المئة من الراشدين في لبنان يستحوذون على 48 في المئة من ثروة سكان البلد بحسب Credit Suisse، ومتسائلاً عن مصدر هذه الأموال خصوصاً أن أصحابها ليسوا من رجال الأعمال. وأكد أن توزيع الأجور ليس عادلاً، إذ تُظهر دراسة صادرة عن وزارة المال وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن 2 في المئة من العاملين في القطاع الخاص يحوزون 17 في المئة من مجمل الأجور المصرح عنها، في حين أن حصة 59 في المئة من العاملين لا تتخطى 22 في المئة من مجمل الأجور، خصوصاً أن الحد الأدنى في لبنان هو 600 دولار في حين أن الأمم المتحدة حددته بألف دولار.

وأشار إلى أن ضعف مؤسسات الدولة أوجد حذراً أمنياً وحرصاً على عدم هز القطاع المصرفي الذي بقي مستقراً رغم عدم ثبات الأوضاع الاقتصادية والأمنية في المنطقة، خصوصاً في ظل وجود 200 مليار دولار كودائع مصرفية، متسائلاً عن الجهة التي تذهب إليها أرباح المصارف وعما إذا كانت هذه المصارف تدفع الضرائب المستحقة عليها. وأكد أن العديد من السياسيين يمتلكون أسهماً في المصارف، مشيراً إلى أن القطاع المصرفي هو الذي يحمي الاقتصاد رغم التحولات الحاصلة في المنطقة، لكنه تساءل عن إمكانية منافسة القطاع المصرفي اللبناني للمصارف العالمية بعد حصول تسويات إقليمية في المرحلة المقبلة، وعما إذا كانت الدولة شريكاً في أرباح المصارف اللبنانية. واعتبر أن الرؤية الاقتصادية التي كانت تجعل لبنان مركزاُ مالياً آمناً لم تعد موجودة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري رغم العمل على إقرار مشروع الموازنة الغائبة منذ 12 سنة، لافتاً إلى أن الحكومة بتركيبتها الحالية لن تُعطى فرصة العمل الجدي بسبب الصفقات التي يُراد تمريرها قبل إجراء الانتخابات النيابية.

وأشار إلى أن التدخلات السياسية تُشكّل عائقاً أمام المستثمرين مما يدفعهم إلى العمل في بلدان أخرى، تماماً كما حصل عند إقفال مصنعه في عكار، واعداً بأن يعود هذا المصنع إلى العمل عندما تتحسن الظروف في سوريا. ولفت إلى أن القانون اللبناني لا يعطي أية تسهيلات للمستثمرين المحليين على عكس الدول الأخرى، كما أنه يفرض شروط صعبة للغاية على المستثمرين الأجانب. واعتبر أن تأمين الوظائف للشباب اللبناني يتطلب الاستثمار في الصناعة بشكل أساسي لأن العمل في هذا المجال يحتاج إلى موظفين من ذوي الخبرات على عكس الزراعة والبناء والسياحة التي يرتفع فيها عدد العمال السوريين. وأشار إلى أن رجال الأعمال اللبنانيين يأخذون مبادرات فردية بهدف الاستثمار، لكن غياب قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يشجع الشركات العالمية للتنسيق والعمل معهم. وفي الحديث عن إعادة إعمار سوريا، أكد مخزومي أن هناك قراءة خاطئة لما يحصل هناك، مرجّحاً أن تفضي التسوية إلى تقسيم سوريا إلى قسمين: القسم الأول يمتد من حلب إلى حدود البحر المتوسط ويكون خاضعاً لسيطرة النظام السوري وروسيا، وهو القسم الذي سيستثمر فيه اللبنانيين، أما القسم الثاني فيمتد من شرق حلب إلى الحدود العراقية. ولفت إلى أن سوريا اليوم لا تملك مداخيل تساهم في إعادة إعمارها بل ستعتمد على التمويل الخارجي، لكننا حتى الآن لا نرى أي دولة تقدّم استراتيجية لإعادة الإعمار بل بعض رجال الأعمال هم من يتحدثون عن ذلك.

وفي ما يتعلق بملف الكهرباء، أكد أن الجشع يحكم هذا الملف كغيره من الملفات، متسائلاً عن سبب العمل على ترسية عقود المناقصات لصالح أشخاص أو شركات مقربة من الطبقة السياسية الحاكمة وبأسعار مرتفعة جداً. ولفت إلى أن صفقة الكهرباء الموضوعة قيد الدرس حالياً هي صفقة مشبوهة ولكنّها ستمر إذا صوّت 16 وزيراً لإقرارها لأنها تخدم مصالحهم. وتساءل عن الهدف من استئجار البواخر لمدة 5 سنوات إذا كانت الخطة المزمع إقرارها تحتاج إلى 3 سنوات كي تُنّفَّذ، إلا إذا كان الهدف هو تمويل الانتخابات من مداخيل خطة الكهرباء. وأشار إلى خطة بديلة تعتمد على إعادة تأهيل التوربينات المستعملة وربطها بالشبكة مباشرة من محطة الكهرباء عبر التعاقد مع شركات تعتمد هذه الاستراتيجية كشركةGeneral Electric ، إذ أن الهدف الأهم هو خدمة المواطن بأقل كلفة ممكنة، لافتاً إلى وجود خطة كهرباء لم تُطبَّق منذ 20 عاماً.

وأكد مخزومي أن المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول ترغب في مساعدتنا عبر عودة سيّاحها ورعاياها إلى لبنان، لكن علينا توفير ظروف مشجعة، معتبراً أن الموسم السياحي هذا العام سيتحسن لكنه قد يتأثر بإجراء أو تأجيل الانتخابات النيابية.

وأشار إلى أن نظام الاقتصاد اللبناني قائم على دعم المصارف لزيادة الأرباح واستثمارها في سوق العقارات، لكن القيمة التأجيرية المرتفعة والحد الأدنى المنخفض للأجور وارتفاع سعر العقارات في مناطق بيروت الإدارية والقرار السياسي باحتكار الاستثمار من قِبَل جهات معينة، جميعها عوامل تؤثر سلباً على الاستثمار في مجال العقارات. وشجّع خطوة المؤسسة العامة للإسكان المتمثلة بإعطاء قروض بفوائد من 2 إلى 3 في المئة لذوي الدخل المحدود كي يتمكنوا من شراء شقة سكنية. ولفت إلى أن زيادة معدل النمو الاقتصادي لن يكون كافياً لإيجاد وظائف لجميع العاطلين عن العمل، بل يجب تحريك الدورة الاقتصادية وابتكار مناهج تعليم حديثة تناسب عصر التكنولوجيا والتطور خصوصاً في قطاع النفط والغاز وفي مجال السياحة البيئية. وتساءل عن البرنامج الإنمائي الذي اعتُمد منذ عام 1998 حتى اليوم، لافتاً إلى ضرورة إيجاد حل يمكّن أصحاب الأملاك من تحقيق الأرباح ويشجع اللبنانيين على الدخول في مجال العقارات.

(*) مقابلة المهندس فؤاد مخزومي على إذاعة "الشرق" في 11 أيار 2017