فؤاد مخزومي


إن هذا البيت لطالما احتضن الأفكار المبدعة ورعى النشاطات الاجتماعية والثقافية وآمن بأن الغد هو ما نعمل من أجله اليوم. لذا فلنجعل عملنا متقناً مدروساً، ومفكَراً به جيداً من أجل أن يكون غد لبنان مشرقاً. لبنان حرزان.

إن ما يجري على الساحة السياسية لا يطمئن ولا يشير إلى أن الأزمة القائمة في طريقها إلى الحل. فبعد أن أرجأ الرئيس ميشال عون جلسة مجلس النواب إلى 15 أيار المقبل، يبقى التمديد للمجلس ولو التقني قائماً. لكن الأسوأ في ما يجري هو "عجقة" قوانين الانتخاب. فمن اقتراح القانون التأهيلي للوزير جبران باسيل، ومشروع قانون حكومة الرئيس ميقاتي، واقتراح الرئيس نبيه بري، ومشروع القوات اللبنانية، مروراً بمشروع الحزب التقدمي الاشتراكي الذي تقدّم به أخيراً، واقتراح القانون المختلط المقدّم من تيار المستقبل، ومشروع الكتائب المعدّل واقتراح ناجي البستاني، وصولاً إلى مشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي وقانون الستين الذي يبدو أن الجميع يحنُّ إليه.

المشكلة لا تكمن في كثرة القوانين بل في الوقت الضائع في السجالات والخلافات في اللحظة الأخيرة. فأين كان صائغو القوانين بعد التمديد الأول والتمديد الثاني؟

لذا أجد أن كثرة القوانين لا يؤمَل منها خيراً إلا المزيد من التأخير إذا لم نقل الوصول إلى التمديد للمجلس الممدد لنفسه مرتين. إن قانون النسبية هو الأفضل لأنه يؤمن للبنانيين كافة العدالة في التمثيل ويحفظ الحياة السياسية الديمقراطية في البلد. إن قانون النسبية يمكن أن يشكل نقلة نوعية تعيد الثقة للشباب بالبلد والدولة، وتعزز موقع لبنان في المنطقة وأمام العالم، خصوصاً أن المجلس القائم الذي مدّد لنفسه مرتين فقَدَ نوابه وكالة المواطنين منذ التمديد الأول في العام 2013.

من هنا أدعو أحزاب السلطة من خلال شبابها الحاضر بيننا إلى الإسراع في إقرار قانون للانتخاب عصري يعكس طموح الشباب وتطلعاته. أما الأشد سوءاً من كثرة القوانين فهو تنامي الخطاب الطائفي وعودة الحديث عن تقسيمات طائفية ومصالح طائفية من هنا وهناك. عدا عن النغمة التي تتردد بأن تصوِّت كل طائفة لنفسها. يا للعجب! نحن في القرن الواحد والعشرين ولبنان الذي تجاوز بعد اتفاق الطائف الحرب الأهلية التي مرت ذكراها المقيتة قبل أسابيع. وشهد أيضاً انقسامات مذهبية منذ العام 2005، هناك من يريد أن يعيده إلى مربّع الطوائف والمذاهب والمِلل.

لكن لا بد لنا أن نذكر أن لبنان، والحمد لله بقي سالماً من عواصف المنطقة وحروبها على الرغم من تداعيات هذه الحروب عليه، سواء عبر تدفق النازحين أم من خلال الظروف الاقتصادية التي استفحلت وتحولت إلى مأزق يجب الخروج منه.

إن نهضة الاقتصاد يجب أن تكون هدفاً أيضاً. وذلك يتطلب موازنة تأخذ بعين الاعتبار المشاريع التنموية والإصلاح، إغلاق أبواب الهدر ومواجهة الفساد. وهنا أؤكد أن رفع الغطاء السياسي والطائفي والمذهبي عن المفسدين هو النقطة الأساس.

إن العالم بأسره يغلي ويتغيّر وليس منطقتنا فحسب. فعلى سبيل المثال تتسارع التغييرات في أوروبا، فبعد البريكست البريطاني الذي هزَّ القارة الأوروبية والغرب عموماً، وشهدت أميركا انتخابات لم يزل العالم يساجل حولها حتى اليوم. ها هي الانتخابات الفرنسية تطلق أيضاً تغييراً أقْصى مرشحي اليمين المعتدل والحزب الاشتراكي.

في أي حال، يجب أن نعمل من أجل أن يعود لبنان إلى خريطة العالم أقوى وأبهى. إنني أؤمن بأننا نستطيع أن نفعل ذلك. يستطيع الشباب الإقدام على التغيير.

يستطيع المجتمع المدني أن يبادر بقوة أكبر إذا وضع أمامه هدفاً واحداً وترك وراءه الخلافات حول التفاصيل أو حول القضايا التي يمكن أن تؤجل. اليوم الهدف هو إجراء الانتخابات النيابية من أجل منع التمديد لكن ليس بأي ثمن بل بقانون يعتمد النسبية. إنه هدف يستحق توحيد الجهود. إن تحسين أحوال بلدنا بأيدينا. فليتحد جميع من يريد للبنان النهضة.

ولنبذل أحسن ما عندنا من أجل غد مشرق لأبنائنا وأحفادنا. لبنان يستحق الأفضل وشعبه أيضاً يستحق الأفضل.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي خلال حفل عشاء في ذكرى الحرب الأهلية في بيت البحر