فؤاد مخزومي


يفيد تقرير التنمية البشرية العربي لعام 2016 أن العرب الذين يشكلون 5 بالمئة من إجمالي سكان العالم مسؤولون عن 45 بالمئة من إجمالي الهجمات الإرهابية، كما يشكلون 47 بالمئة من مجموع اللاجئين في العالم.

لقد حان الوقت للعالم العربي لأن يخطو باتجاه التغيير، ووضع خطة لتحقيق الاستقرار والتنمية على المدى الطويل. يواجه عالمنا اليوم حروباً بالوكالة والإرهاب وتوترات حدودية، كما هي الحال بين تركيا وأوروبا كما أظهرت التطورات الأخيرة بين أنقرة من جهة، وألمانيا وهولندا من جهة أخرى. وفي ظلّ هذه الأوضاع المتأزمة عالمياً، حان الوقت لرسم واقع جديد في المنطقة العربية، لا سيما في سوريا. فقد كشفت محادثات السلام التي عُقدت مؤخراً في أستانا بغياب الولايات المتحدة، وجود وصاية ثلاثية في البلاد بقيادة تتوزّع بين روسيا وتركيا وإيران الأمر الذي لم يكن جلياً في دورة المحادثات الأخيرة التي عقدت في جنيف.

لذا أي تطبيق لوقف اطلاق النار، يعني أن كلاً من روسيا وتركيا وإيران "ستراقب مجتمعة وقف إطلاق النار وتحدد آليات التطبيق كافة حرصاً على الالتزام الكامل، ومنع أي استفزازات" بما يكشف بشكل أوضح عدم أهمية الدور الأميركي مؤخراً.

وفيما يحارب الأتراك لتوسيع نطاق سيطرتهم (ضد داعش والأكراد) في الشمال، يقوم الإيرانيون بما يشبه ذلك في محيط دمشق. أمّا روسيا فتركز على الساحل، مثبتة أنه لا حاجة للدعم الأوروبي والأميركي في ما خصّ السيناريو المستقبلي في الشرق الأوسط. في هذا الإطار، لا يزال دور الولايات المتحدة في المنطقة ضبابياً. فالرئيس دونالد ترامب لن يتمكن من محاربة "داعش" ومواجهة إيران، وفي الوقت عينه تنفيذ شعار "أميركا أولاً" وتفادي الانخراط العسكري المباشر والمفتوح. بل يمكنه مثلاً الالتزام بشعار "أميركا أولاً" وتحييد إيران، وعدم محاربة داعش بما يهدد بالخسارة في مواجهة الإرهاب.

على الضفة الأخرى، ولتعويض ما يبدو انحساراً لسطوة الولايات المتحدة العالمية، وتغيّرات الحسابات الأميركية في الشرق الأوسط، واحتمال التوصل إلى اتفاق أميركي - إيراني، تسعى السعودية إلى مزيد من التنويع في علاقاتها الخارجية.

من هنا، تعمل المملكة على إيجاد شركاء جدد وتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الصين وماليزيا وإندونيسيا وبروناي واليابان والمالديف. في استدارة جديدة نحو آسيا تستند إلى المصالح المشتركة في التجارة والطاقة، ومحاربة الإرهاب، إلى جانب جذب المستثمرين إلى الاكتتاب العام لشركة "أرامكو" السعودية، إذ تسعى بورصة هونغ كونغ لاستضافة الحدث. ونظراً لارتباطها الوثيق بالأسواق الصينية، يمكن أن تشكل هونغ كونغ جسراً بين "أرامكو" والمستثمرين الأثرياء في برّ الصين رئيسي.

وبالعودة إلى النزاع في سوريا، يبدو من الصعب توقع نهاية للحرب هناك، مع تخوف بأن تتحول مساعي الحلّ إلى محادثات سلام لا تنتهي على غرار محادثات السلام الأخرى في الشرق الأوسط.

في هذا الجزء من العالم حيث الصمود والتصميم هما أكثر فعالية من الاستثمار في الإنفاق العسكري والسعي إلى حيازة التقنيات الأكثر تطوراً، يجب اعتماد نهج جديد ومناقشته ودعمه.

في الماضي، حاولت المنطقة العربية مواجهة الحداثة الغربية من خلال الإسلام الحديث أو العلمنة القومية. أمّا اليوم، فيجب إيجاد نموذج إسلامي جديد - نموذج يدعم التنمية والعدالة الاقتصادية، بهدف احتواء الربيع العربي ووضع حدّ لاستغلال الدين (داعش) وتجاوز الانقسام بين السنة والشيعة من أجل التوصل إلى حلّ حقيقي في منطقة مزقتها الانقسامات المذهبية الداخلية والقوى الخارجية والمصالح التي أدت إلى حروب بالوكالة.

حان الوقت للقوى الإقليمية أن تعيد النظر في أدائها، والتعاون في ما بينها، ولا ينحصر ذلك في الجانب الاقتصادي، بل الأهم دورها السياسي كي تصبح صانعة قرار حقيقية في مستقبل منطقة تسهم ضمنياً وعلانية في تحديد الديناميات العالمية.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي في مؤتمر مشروع الولايات المتحدة للشرق الأوسط (USMEP) في واشنطن