فؤاد مخزومي


لماذا المزيد من المؤتمرات حول النفط والغاز؟ هذه الثروة المكتشفة حديثاً والمعوّل عليها من أجل قيامة حقيقية للبنان. لكن مهلاً هل يجوز أن نترك هذه الثروة من دون قيدٍ ولا شرط بين أيادٍ مجربّة لسنوات طويلة؟ المثل الشعبي يقول "من جرّب المجرّب عقله مخرّب".


حقاً إن البلد يمر في مرحلة جديدة وتحت سقف تسوية سياسية رحبنا بها واعتبرناها توافقاً وليس محاصصة، إذ أدت إلى انتخاب رئيس للجمهورية هو العماد ميشال عون وحكومة جديدة برئاسة سعد الحريري، مع ارتفاع حظوظ إقرار موازنة جديدة غائبة منذ العام 2005، واحتمال إقرار قانون جديد للانتخاب. لكن الأمر لا يجب أن يقف عند حدود التفاؤل فحسب. والترجمة الحقيقية تبدأ بالإصلاح فالإصلاح فالإصلاح. إن صندوق النقد الدولي ينظر إلينا على أننا أهملنا الإصلاح في مجال السياسة المالية على الرغم من ضرورته الملحة، وهذا الانذار كان وما زال يوجب على الحكومة اعادة النظر في سياساتها المالية. نحن في الواقع في بلدٍ اقتصاده متعثر ومجتمعه متعب بل مثقل بالهموم المعيشية وشبابه الذي يمثل تعداده بين 15 و29 سنة 28% من مجموع اللبنانيين، العاطلون عن العمل منهم يمثلون 34% أي 66% من مجموع البطالة المقيمة في جنباتنا.


هذا واقع الشباب في دولة تعاني خزينتها الهدر في المال العام في أكثر من موقع كالأملاك البحرية والمطار، والمرفأ، والتهريب، والتلزيمات، والمناقصات، والمزايدات، والدوائر العقارية، والمرامل والمقالع والكسارات، والبلديات، والخليوي، والتوظيفات العشوائية من جهة، وينخرها الفساد من جهة ثانية بسبب المحميات السياسية. وقد صنفه مؤشر الفساد في العالم CPI لعام 1916 في المرتبة 136 من مجموع 176 دولة، أي بزيادة عشر نقاط عما عليه قبل سنة! فكيف، على سبيل المثال لا الحصر يزيد النواب رواتب تقاعدهم والمستفيدين من عائلاتهم وعلى أي أساس؟ علماً أن تكاليفها وصلت إلى نحو مليارين و500 مليون ليرة لبنانيّة إضافية عما يتقاضونه حالياً!


لم يكن للفساد أن يتفشى لو كان ثمة حدّ أدنى من الشفافية التي تتيح للمواطن ولوسائل الإعلام الإطلاع على ما يجري. فالشفافية يجب أن تكون في مقدمة الأهداف الواجب تحقيقها. وهنا واجب المجتمع المدني أن يحول دون أن تذهب الثروة الجديدة إلى أفراد أو فئات أو جهات بعينها، أو أن يطبق عليها نهج المحاصصة بين القوى السياسية المسيطرة! وهذا لن يكون إلاّ بالضغط من أجل سن قانون خاص بمكافحة الرشى والفساد، وفرض تطبيق هذا القانون عبر المراقبة والمحاسبة.


وهنا يجب أن نحذر من أن الشفافية التي نطمح إليها تخالفها المادة 35 من المرسوم الخاص بنموذج اتفاقيات الاستكشاف والإنتاج النفطية الذي تم إقراره مؤخراً، إذ تفرض هذه المادة السرية طوال فترتي الاستكشاف والانتاج!


إن إصرارنا على عقد المؤتمرات ليس فقط من أجل حض الحكومة على المبادرة لحماية هذه الثروة واستنقاذها من مصير محتوم إذا لم تجري تعديل حقيقي على العقلية التي أدير بها البلد في السنوات الماضية، بل إن الأمل معقودٌ على جرأة المجتمع المدني ليكون هو الحسيب والرقيب على السياسات التي تدير هذه الثروة بل على كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية لأن المجتمع المدني هو المجتمع الحيّ، وحضوره بفعالية داخل المشهد بات ضرورة ملحة. وهنا لا بدّ من التأكيد أن الشباب هم في صلب المجتمع المدني بل إنهم هم "دينامو" هذا المجتمع ومحركه. بل أنتم طلاب الجامعات أساس الحراك المدني والأهلي الضروري لتقويم السياسات وتصويبها. المجتمع المدني بكل هيئاته وشبابه وشاباته هو العين الساهرة على مقدرات الوطن. ولا أغالي حين أقول أن الحراك الشبابي إبان أزمة النفايات السنة الماضية والقائمة حتى الآن، استدعت من قوى 8 و14 آذار في حينها المسارعة إلى عقد طاولة الحوار! لقد نسيت هذه القوى خلافاتها وتحريضها على بث الشقاق بين الناس على أسس مذهبية وطائفية وفئوية، فقط من أجل سحب صرخة الشباب من الشارع الذي جمعته قضية تقض مضاجع الناس لأي جهة انتموا! إذاً اجتماع الناس حول قضاياهم الأساسية تخيف المسؤول أي مسؤول لأنه يعلم أنه سيحاسب من قبل الناس ومن الشباب خصوصاً.

إن ما يجمع منظمات المجتمع المدني والأهلي بما فيهم فئة الشباب كثير وكثير جداً، يكفي أن نذكر الملفات المستعصية التي يعاني منها اللبنانيون مجتمعون ومن كل الفئات والمناطق مثل الكهرباء والمياه والنفايات والبيئة تلوث المياه والمستشفيات والصحة والمدارس والجامعات وغيرها وغيرها. إن هذه المسائل الحيوية يكفي بعضها لتكون المحرك لقوى المجتمع المدني ولحضه أكثر فأكثر على المراقبة والمحاسبة وصولاً لقيام الدولة وإصلاح المؤسسات والقضاء على الفساد ووقف الهدر.

"لبنان حرزان" ويستحق منا كل جهد.
أعود إليكم أنتم الشباب طلاب الجامعات لأستنهضكم للتعاون مع مختلف قوى المجتمع المدني بدءاً من تبادل الآراء حول قطاع النفط، وصولاً إلى فرض تحسين الأداء وضمان انطلاقة شفافة وناجحة لهذا الملف. وأشدد على أن اليقظة مهمة جداً والحضور عند كل مفصل في هذا الملف أكثر من ضروري. فإن كان الفاسدون والمفسدون لم يتورعوا عن الرشى والمحاصصة حتى في أمور تطال وتهدد صحة وسلامة المواطنين من النفايات إلى الاتصالات (هدر بعشرات ملايين الدولارات) والإنترنت (هدر 200 مليون دولار)، مروراً بالماء والكهرباء (بلغ العجز 1.4 مليار دولار عام 2016) والخليوي وحده (40 مليون دولار) وتلوث البيئة وغيرها وغيرها، فليس من المستغرب أن تتجه أنظارهم إلى مليارات الثروة النفطية الموعودة. "لبنان حرزان" ويستحق منا كل جهد.

ولا بدّ لنا من وقفة أمام اقتصاد البلاد. فالدين العام قد تجاوز 75 مليار دولار، والنموّ معدوم، وميزان المدفوعات في عجز مستمر، وهجرة داخلية وخارجية، وأزمة اقتصادية خانقة، وبنى تحتية تتآكل يوماً بعد يوم. هذا إضافة من علاقات متوترة مع دول الخليج العربي، علماً أن تحويلات السعودية وحدها تشكل نسبة 20% من مجموع التحويلات المالية إلى لبنان، فضلاً عن أن 60% من تحويلات اللبنانيين تأتي من بلدان مجلس التعاون الخليجي.

ثروة لبنان البشرية في خطر، فنسبة الشباب المهاجرين قد بلغت 44% من إجمالي عدد المهاجرين. ولن نستطيع المحافظة عليها إذا لم نحارب الفساد عبر دولة قادرة. وهذا يستدعي إلى جانب القضاء، تحرك المجتمع المدني على مستوى الرقابة والمحاسبة. لكن الأزمة تتعلق أيضاً بمزاحمة الأيدي العاملة من النازحين، وهذه مسؤولية دولية أيضاً. فخسائر لبنان بفعل أزمة اللاجئين السوريين بلغت منذ العام 2012 وحتى اليوم 13 مليار دولار منها 5.6 مليارات في 2015 وحدها او ما يعادل 11 في المئة من الناتج المحلي هذا وانخفض الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد بنسبة 35%.

نحن في منتدى الحوار الوطني نتطلع إلى مستقبل خال من الفساد والمحسوبيات والرشاوى وندعو إلى حوار صريح تشارك فيه الجهات الرسمية المعنية والجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام وغيرها من ممثلي المجتمع المدني. وليكن ملف النفط والغاز في مقدمة اهتمام المجتمع المدني والتشارك في الأفكار الفذة والمتقدمة وبعيداً عن التسييس من أجل الحفاظ على هذه الثروة للأجيال المقبلة.

أخيراً، أقول للشباب لا تستقيلوا من مهماتكم وأدواركم في اختيار الأفضل لوطنكم لا تقايضوا القانون بالولاء لأشخاص أو فئات أو طائفة... نستطيع جميعاً بناء الوطن الصالح للعيش الكريم والسكن الآمن والعلم والعمل... نعم نستطيع... الحفاظ على مقدرات بلادنا... نعم نستطيع و"لبنان حرزان".

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي في مؤتمر حواري حول النفط والغاز في 16 آذار 2017 في الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU)