فؤاد مخزومي

إنه لمن دواعي سروري وفخري أن أتشارك معكم الليلة إيماني العميق وشغفي في التعليم، الذي أعتبره الاستثمار الأهم والضمان الأمثل لمستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة.
فالتعليم لا يقتصر على المعلومات والبيانات، بل يعني أيضاً القدرة على الاستفادة من الفرص في الحياة، وتكوين رؤية حول المستقبل تمكننا من تغيير العالم الذي نعيش فيه وتحقيق النجاح.
لقد منحني التعليم الذي حصلت عليه ما هو أهم من مجرد معلومات، لقد منحني رؤية ابداعية إيجابية للمستقبل شكلت الدعامة الأساسية لنجاحي. فقد آمنت بالمستقبل وكانت لديّ رؤية حوّلتها إلى واقع.
تُوفر مجموعة أنابيب المستقبل التي أترأسها، للمنطقة ودول أخرى حول العالم حلولاً مبتكرة لإيصال المياه والطاقة بطريقة مستدامة. فنحن ننتج الأنابيب المصنوعة من الألياف الزجاجية ولدينا أنشطة حول العالم من الخليج إلى أوروبا والولايات المتحدة وأفريقيا وآسيا. وانطلاقاً من لبنانيتي تعلمت الصمود والتكيّف مع الظروف وقبول التنوّع. وتعلمت كذلك أهمية الاستثمار في الرأسمال البشري، وهذا بالفعل ما أقوم به يومياً بمساعدة زوجتي ميّ التي تترأس مؤسسة مخزومي التي أنشئت عام 1997، وتنشط في مجال التعليم والتدريب المهني والقروض الصغيرة والرعاية الصحية. تعمل مؤسسة مخزومي منذ 20 سنة لمصلحة المجتمع، فهي الحريصة على دعم الأفراد والعائلات حيث قدمت أكثر من 2.5 مليون خدمة، وأسهمت في تمكين أكثر من 660 ألف شخص.
لم استثمر نجاحي لمصلحتي الشخصية أو لمصلحة عائلتي الصغيرة فحسب، بل أيضاً لمصلحة عائلتي الكبرى. وأعني بذلك المواطنين اللبنانيين. إذ يجب أن نتذكر دائماً أن هدفنا الأساس هو أن نقدم لمجتمعنا ما كنّا محظوظين نحن في الحصول عليه.
يجب أن نمتلك دائماً رؤية وأن نبذل جهداً من أجل مشاركة الآخرين رؤاهم وتطلعاتهم. وهذا ما ينطبق بالفعل على مدينة دبي المبدعة، فدبي هي عبارة عن رؤية قائد تمكن من تحويل أفكاره إلى واقع أثرى مجتمعاً بأكمله.
تمثّل دبي نموذجاً للحداثة ولإبداع في المنطقة بعد أن تمكنت من تنويع اقتصادها، فقطاع النفط والغاز يسهم بحوالي 6 بالمئة فقط من ناتجها الاقتصادي، ويُتوقع أن ينفذ في غضون عشر سنوات. لقد استخدمت دبي إيرادات النفط والغاز بحكمة على مرّ السنوات كي تستثمر في مستقبل من نوع آخر. فهي تسعى لاستبدال النفط بالبشر من خلال التوسّع لتصبح مركزاً إقليمياً في قطاعيّ الأعمال والسياحة، يستطيع حوالى مليار وخمسمائة إنسان بلوغه في مدة لا تتجاوز الخمس ساعات بالطائرة.
أصبحت دبي اليوم المركز الاقتصادي للشرق الأوسط. وتستقبل حوالى أربعة عشر ومئتي مليون زائر في السنة، كما تضمّ 467 فندقاً تحتوي على 75165 غرفة، و72 مركز تسوق. وفي عام 2016، ارتفعت سعة المطار في دبي لتصل إلى 86.3 مليون مسافر في السنة، فيما يستقبل ميناء جبل علي حالياً أكثر من عشرة ملايين حاوية شحن في السنة. أمّا الصحراء فتشهد بناء مشروع دبي لاند بقيمة تسعة عشر مليار دولار، المدينة الترفيهية الأكبر بمرتين من "ديزني وورلد" في فلوريدا. لقد عرفت الإمارة تحوّلاً مذهلاً، ولا يزال هذا التحوّل مستمراً، حيث تسعى دبي لبناء اقتصاد مستدام قائم على المعرفة لتصبح منارة المنطقة. أمّا سرّ نجاح دبي فيكمن في بيئتها متعددة الثقافات. فمن أصل مليونين وسبعمائة من السكان، هناك 80 بالمئة من الوافدين. هذا إلى جانب الشروط المالية المشجعة للأعمال (مثل المناطق الحرة)، وقدرة الإمارة على جذب المواهب والمستثمرين ورؤوس الأموال من حول العالم. إلى ذلك، بات الأجانب، ابتداءً من العام 2002، قادرون على امتلاك عقارات في دبي، وهي خطوة أولى من نوعها في بلدان الخليج.
فتبدو دبي أشبه بمدينة "سيم سيتي" حقيقية، مدينة مذهلة وكأنها خرجت إلى الصحراء بشكل سحري من كمبيوتر مهندس معماري يستخدم أحدث برامج التصميم. من دبي، يمكن أن يتعلم لبنان استعمال الموارد الطبيعية بحكمة وتحويل إيرادات النفط إلى فرص للتنمية والتطوير، وضمان الثروات للأجيال المقبلة. وبحسب التقديرات، تحتوي مياه الساحل اللبناني على 95.9 تريليون قدم مكعب من الغاز و865 مليون برميل من النفط. وفيما يضع لبنان الخطط لتطوير هذه الموارد، يجب أن يعدّ أيضاً طريقة فعّالة ومستدامة لاستخدام هذه الموارد لتحقيق أكبر مصلحة ممكنة للبلاد، كي لا تتحول هذه النعمة إلى نقمة. وفي حين يمكن أن يساهم قطاع الغاز والنفط في حلّ بعض المشاكل العالقة منذ فترة طويلة، لا سيما توفير الكهرباء وخفض الدين السيادي، إلا أنه من غير المرجح أن يؤدي وحده إلى تحوّل لبنان إلى دبي ثانية. إذ يتعين اتخاذ العديد من الإجراءات الأخرى في الوقت عينه لدعم البنية التحتية الاقتصادية، وتحقيق التنمية الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار السياسي والأمن القومي.
تكمن قوّتنا في مجتمعنا المتنوّع، فلبنان يضمّ 18 طائفة، وفي تاريخنا وثقافتنا القادِرَيْن على جعله مقصداً سياحياً مهماً في منطقة تشهد اليوم الحروب والدمار.
على صعيد التعليم، سبق وحققت جامعاتنا المتميزة الكثير ولا نزال ننتظر منها الكثير أيضا. ومن بينها الجامعة الأميركية في بيروت، مؤسسة التعليم العالي الرائدة في لبنان، والقائمة منذ أكثر من 150 سنة، والتي تقدم مساحة للتفكير النقدي والبحوث والدراسات عالية الجودة. في هذا السياق، يواجه كلّ من لبنان ودبي تحدياً كبيراً يتعلق بقدرة النظام التعليمي على تلبية متطلبات وحاجات القطاع الخاص التنافسي. كما يتعين على لبنان بشكل خاص أن يحدّ من مشكلة هجرة الأدمغة التي تُفرّغ البلاد من القوى الحيوية والمفكرين. اليوم، يشهد العالم العربي حالة اضطراب غير مسبوقة، وتفيد كافة الدراسات أن البطالة السائدة لدى الشباب بين عمر 15 و24 من الأسباب الأساسية التي أدت إلى حالة عدم الاستقرار هذه. إن مستقبل المنطقة يعتمد على الشباب لذا علينا الحرص على امتلاكهم المؤهلات اللازمة لمواكبة حاجات سوق العمل. ولهذه الغاية، لا بدّ من توجيه التعليم نحو سوق العمل، سواء بدوام كامل أم دوام جزئي أو في الأعمال الحرة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عدم التركيز بما يكفي على تشجيع القطاع الخاص (أرباب العمل والمؤسسات التعليمية)، لأداء دور مكمّل لذلك الذي تمارسه الحكومة كي تلبّي الحاجات الملحة في المنطقة. ففي مناطق أخرى حول العالم، لعب أرباب العمل والمؤسسات التعليمية دوراً أساسياً في توفير الفرص للشباب، ويمكنهما أداء الدور نفسه في العالم العربي في حال توافرت الظروف الملائمة.
أجل، إن التحدّي كبير وملحّ، والعمل مطلوب الآن. ففي حال لم تجتمع الطاقات كافة من أجل وضع خطط طموحة لمواجهة البطالة، سيواجه الشباب العرب ظروفاً أصعب.
يبلغ عدد اللاجئين في لبنان تقريباً رُبع عدد سكان البلد، البالغ 4.5 مليون نسمة. وسجّلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 1.1 مليون سوري منذ بداية الأزمة السورية في 2011، بينما تُقدر الحكومة عددهم بمليون ونصف نسمة. وفي هذا الإطار، اتخذت وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية عدة خطوات إيجابية من أجل تأمين التحاق الأطفال السوريين بالتعليم الرسمي، لكن المنظومة التعليمية واجهت صعوبات في مجاراة العدد المتزايد للأطفال اللاجئين. فبعد 5 سنوات من بداية الأزمة السورية، بلغ عدد الأطفال المحرومين من التعليم حوالى أكثر من 250 ألف طفل – حوالى نصف الأطفال في سن الدراسة (من المسجلين في لبنان). حتى أن بعضهم لم يدخل فصلاً دراسياً في حياته.
إلى ذلك، يحصل حوالى 50 بالمئة فقط من الأطفال اللاجئين على التعليم الابتدائي، بالمقارنة مع معدل عالمي هو 90 بالمئة. كما أن مستقبل أكثر من 13.5 مليون طفل عربي تهدد خلال السنوات الأربع الماضية، بسبب عجزهم عن الذهاب إلى المدرسة. إذ بحسب دراسة لليونسيف في 9 دول في المنطقة، تم إقفال حوالى 9 آلاف مدرسة بسبب عدم الاستقرار السياسي والعنف المسلح.
مع فروع لجامعات أجنبية مثل ميشيغان (Michigan) وروتشيستر (Rochester) ووولونغونغ (Wollongong) ومردوخ (Murdoch) وميدلسيكس (Middlesex) وغيرها، بدأت دبي تكتسب بسرعة سمعة كمركز تعليمي رائد في الشرق الأوسط. وأنا أؤمن بضرورة تبادل الخبرات في مجال التعليم بين دبي ولبنان، وأعتقد أن عليهما التشارك في التفكير والعمل من أجل القضاء على الأمية في العالم العربي.
وهنا يمكن للجامعة الأميركية في بيروت تقديم الكثير من المساهمات من خلال قدرتها على إضفاء سياق محلي على الأعمال الدولية، تكون نموذجاً لقدرة مؤسسة محلية على التكيّف. إن العالم يحتاجنا، في ظل الوضع السياسي والاقتصادي والمالي القائم، نحن رواد الأعمال لنؤدي دوراً ناشطاً في دعم التطوير المحلي والدولي من خلال حلول مبتكرة والتفكير الإبداعي والتعليم.
إن توفير التعليم للناس والاستثمار في موظفينا من خلال برامج التدريب والتأهيل التعليمية المتواصلة، يشكلان الأداة الأكثر فعالية لتحقيق التغيير في المجتمعات التي ننشط فيها، ولتعزيز المساواة في الفرص.
أتمنى أن تصبحوا أنتم التغيير الذي تريدونه في العالم. وأن تصبحوا أنتم الداعمين الفعليين للتعليم وكلّ ما يتعلق به سواء في الوطن أم في الخارج.

(*) كلمة المهندس فؤاد مخزومي في حفل عشاء الجمعية العالمية لخريجي الجامعة الأميركية في بيروت في 2 آذار 2017 في دبي