فؤاد مخزومي

ما هي خلفية مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب وكيف تطورت الشركة لتصل إلى ما هي عليه اليوم؟

شهدت المملكة العربية السعودية في سبعينيات القرن الماضي تحولاً كبيراً، مما أتاح الفرصة المثالية لمهندس شاب مثلي الدخول في مجال الأعمال. كان سوق الطاقة ينمو بسرعة هائلة مما أحدث تغييراً في الشكل العام وفي أداء هذه الدولة التي لم تكن تملك البنية التحتية الأساسية التي تخولها الاستفادة من كافة الفرص المتاحة لها. أدركتُ حينها أن مفتاح النجاح هو الحرص على ترابط شبكة الطاقة، وتمكين النفط من الوصول إلى وجهته المقصودة. لذا قررت أن أبادر بنفسي منطلقاً من روحية ريادة الأعمال التي سبق أن شكَّلت وقود الثورات الصناعية الكبرى، فأنشأت شركة للأنابيب تربط مدن المملكة.

أدركت أن البنية التحتية غير الملائمة تشكل تحدياً في المنطقة، فاستخدمت المدخرات القليلة التي كنت أملكها، وقررت بعد بضع سنوات أن أوسع أفقي، فاستحوذت على شركة تصنيع وتجارة أنابيب صغيرة تنشط في المنطقة بين أبوظبي ودبي وقطر وعمان والسعودية وغيرها. انطلقت مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب من رؤية تسعى للربط بين الناس والأماكن، وبناء الأنابيب التي تقود إلى النجاح.

سبق لهذا النموذج الاقتصادي أن أثبت نجاحه في الغرب، فمفتاح النجاح الصناعي والاقتصادي يكمن في البنية التحتية القوية. وفي الشرق الأوسط، يشكل النفط مركز الثقل الاقتصادي. وللحدّ من أي خسارة محتملة في منطقة تعتبر عرضة للدورات الاقتصادية السلبية والصدمات الخارجية، حملت النموذج الناجح الذي أرسيته في الشرق الأوسط وأقمت شراكات مع شركات متعددة الجنسيات بهدف التوسع في الأسواق الأميركية والإندونيسية والإسبانية والمغربية والهندية والهولندية. ومع الوقت حوّلت شركتي الصغيرة إلى واحدة من ثلاث أكبر مجموعات انتاج أنابيب الألياف الزجاجية في العالم: مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب.

حققت مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب نموّاً كبيراً وتنوعاً واسعاً خلال فترة قصيرة. ما هي العوامل الأساسية التي ساهمت في هذا النجاح؟

يكمن نجاح مجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب في بساطة الاستراتيجية المعتمدة والقائمة على بناء الروابط. من خلال تركيزنا على تحقيق التميّز عبر الربط بين الأماكن والأشخاص، ازدهرت الاقتصادات التي نشطنا فيها بحيث أصبحت الطاقة والمياه تصلان بدون أي عوائق من مكان إلى آخر. وفي ظل النمو السكاني في العالم، تزداد الحاجة إلى الطاقة والمياه. واليوم، تشكِّل البنية التحتية سوقاً عالمياً تقدَّر قيمته بـ170 مليار دولار في السنة.

إلى ذلك، تنشأ يومياً أسواق جديدة متعطشة للطاقة، فيما تعيد الأسواق القائمة تحديد نفسها من خلال التغيرات الجيوسياسية. ومع تحوّل الدول المجاورة من عدوّة إلى صديقة أو بالعكس، تبرز الحاجة إلى إعادة تحديد هذه الروابط أو إعادة بنائها أو تحويلها عبر طرق أخرى. فمجموعة المستقبل لصناعة الأنابيب جاهزة دائماً للربط بين هؤلاء الأصدقاء الجدد. وقد أصبحت مجموعة أنابيب المستقبل حجر الزاوية لمجموعة من الشركات، على رأسها "مجموعة المستقبل" التي تنشط في مجالات متنوعة في قطاعات تجارية غير صناعية.

ما هي فرص نجاح قطاع النفط والغاز في لبنان وكيف تخطط للانخراط فيه؟

يُقدَّر الناتج الإجمالي المحلي في لبنان بحوالى 50 مليار دولار، فيما وصل الدين السيادي إلى 71 مليار دولار، ويُقدَّر العجز التجاري بـ15 مليار دولار. لقد فوتت البلاد على نفسها فرصاً مهمة كان من شأنها أن تحقق فوائد كبرى لو طبَّقت الجهات المعنية الإجراءات المناسبة في الماضي. ومع تراجع التحويلات الخليجية من 7.5 مليار دولار إلى 5 مليارات، بات على لبنان أن يتعامل مع قطاع النفط والغاز بجدية والسعي لتطوير بنية تحتية صلبة لدعمه. هذه الثروة مستقبل لبنان، لكن من المهم إعداد إطار ناظم شفاف وإظهار تصميم وحزم من خلال إصدار مجلس النواب القوانين اللازمة للفت انتباه المستثمرين الدوليين.

هل لاحظت اهتمام مجتمع الأعمال بالاستثمار في قطاع النفط والغاز في لبنان؟

إن رجال الأعمال أشخاص عمليون يستثمرون في المستقبل. يملك لبنان اليوم احتياطات طاقة مثبتة وإمكانيات عالية في السوق، لكن تعيقه إجراءات المناقصات الطويلة والمعقدة التي قد تُنفّر المستثمرين. أعتقد أننا اليوم نجحنا في جعل قطاع الطاقة أولوية وطنية للبنان ويمكننا توقع الكثير منه. برأيي الأمور تتجه في الطريق الصحيح، وسيتم تأكيد ذلك بعد الانتخابات النيابية المقبلة.

ما هي الأسواق التي تتطلّع إليها في الوقت الحالي؟

من الأمور الأساسية التي نأخذها في عين الاعتبار حين نتوسع في سوق جديدة هو المستوى الحالي للبنية التحتية إلى جانب الوضع السياسي والقانوني. مثلاً، تضمّ دبي بنية تحتية مذهلة وخدمات ومرافق رائعة، وأمناً مستتباً. فلا عجب أن يرغب الجميع في الاستثمار هناك. وكمجموعة، بدأنا مؤخراً في استكشاف الفرصة المتوفرة في نيجيريا والجزائر والمغرب حيث وجدنا أن الوضع معاكس تمام، إذ ثمّة نقص كبير في الاستثمارات في البنية التحتية إضافة إلى البيروقراطية السائدة في بعض الدول.

وبهدف ضمان حصول شركتنا على مركز متميّز، من المهم جداً الحرص على أن تتمتع الدول التي نعتزم العمل فيها بأجهزة تنظيمية حيث تم اختبار قوانين الاستثمار، إلى جانب الحدّ الأدنى من البنية التحتية التي تتيح لنا العمل بطريقة فعّالة. وهذه هي المعايير الأساسية التي استندنا إليها حين قررنا التوجه إلى إندونيسيا بدل الهند على الرغم من الإمكانيات الكبرى للهند كثاني أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. كما نعتقد أن الأميركيتين توفران سوقاً واعداً للاستثمار. فقد أبرمت دول مثل المكسيك وكندا اتفاقات تجارية استراتيجية صلبة تجعلهما خيارات استثمارية واعدة. ونعتقد أننا سنشهد نمطاً مشابهاً في أوروبا الشرقية التي تزدهر اقتصاديا. وبالطبع نحن على ثقة أن لا شركة بنى تحتية يمكنها تجاهل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء التي تشكل سوقاً خصبة للاستثمار. إلا أن الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية في دول تلك المنطقة تتطلب منّا البقاء على حذر.

ما هي توقعاتك بالنسبة لمستقبل لبنان؟

يتسم الشعب اللبناني بالقدرة على الصمود، لكن للأسف نحن شعب ذو نزعة فردية ونجد صعوبةً في الالتقاء معاً والعمل كمؤسسة. وعلى مرّ السنين، شهدت البلاد عمليات تهميش استمرت لفترة طويلة وجرّتنا إلى الحروب والنزاعات، مما أفقد لبنان مركزه كأكثر دول المنطقة نمواً في حينها. واليوم، على الأمور أن تتغير، إذ علينا أن نعيد التواصل في ما بيننا وأن نتوحد مجددا. يجب أن ننظر إلى هذه الأمة كأمة واحدة وكمؤسسة موحدة.

كلنا مدعوون للعمل معاً للتوصل إلى قضية وطنية جديدة تجمع اللبنانيين بغضّ النظر عن خلفياتهم الاجتماعية والدينية والإثنية. يفتخر لبنان بإيمانه بقيم الحرية والديمقراطية، فهذا جوهر لبنان كبلد. وأنا أؤمن أن تطوير قطاع النفط والغاز سيشكل الحافز الوطني لمثل هذا الربط بين البشر والمكان في لبنان - وهذه قضية جديدة يمكن لشعبنا الالتفاف حولها، من أجل مصلحتهم ومصلحة أمتهم. والأساس هو أن نستمر في إقامة الروابط وبناء لبنان واحد موحد للجميع.

(*) مقابلة المهندس فؤاد مخزومي مع مجلة "ذا بيزنس يير".